عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

408

اللباب في علوم الكتاب

الإيمان ، يدل عليه قوله تعالى : « وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » « 1 » . فصل وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غور الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة ، فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا البحر اللّجّيّ في نهاية شدة الظلمة . ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب « 2 » ما يراها ، وأبعد ما يظن أنه لا يراها ، فقال تعالى : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى النهايات ، ثم شبه الكافر في اعتقاده ، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى : « نُورٌ عَلى نُورٍ » « 3 » وفي قوله : « يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » « 4 » . ولهذا قال أبي بن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلم : كلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة « 5 » ، ومصيره إلى الظلمات إلى النار . وفي كيفية هذا التشبيه وجوه : الأول : قال الحسن : « إن اللّه تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر ، وظلمة الأمواج ، وظلمة السحاب ، كذا « 6 » الكافر له ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد ، وظلمة القول ، وظلمة العمل » . الثاني : قال ابن عباس : « شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث » . الثالث : أن الكافر لا يدري ، ولا يدري أنه لا يدري ، ويعتقد أنه يدري ، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات الثلاث « 7 » . الرابع : قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم . الخامس : أن هذه الظلمات متراكمة ، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه « 8 » . قوله : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . قال ابن عباس : من لم يجعل اللّه له دينا وإيمانا فلا دين له « 9 » . وقيل : من لم « 10 » يهده اللّه ( فلا إيمان له ) « 11 » ولا يهديه « 12 » أحد « 13 » . قال أهل السنة : إنه تعالى لما وصف

--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 24 / 8 . ( 2 ) في ب : قرب . ( 3 ) من الآية ( 25 ) من السورة نفسها . ( 4 ) [ الحديد : 12 ] . ( 5 ) في ب : ظلم . ( 6 ) في ب : كذلك . ( 7 ) الثلاث : سقط من ب . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 24 / 8 - 9 . ( 9 ) انظر القرطبي 12 / 285 . ( 10 ) لم : سقط من الأصل . ( 11 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 12 ) في ب : فلا . ( 13 ) انظر القرطبي 12 / 286 .