عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
389
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : المراد زيتون الشام ، لأنه في الأرض المباركة فلهذا جعل اللّه هذه الشجرة بأنها « لا شرقية ولا غربية » واستدلوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن الشام وسط الدنيا ، فلا توصف شجرتها بأنها شرقية أو غربية . وهذا ضعيف ، لأن من قال : « الأرض كرة » لم يثبت للمشرق والمغرب موضعين معينين ، بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة ، لأن المثل مضروب لكل من ( يعرف ، الزيت ) « 1 » وقد ) « 2 » يوجد في « 3 » غير الشام كوجوده فيه . وثانيها : قال الحسن : « لأنها من شجر الجنة ، إذ « 4 » لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية » . وهذا أيضا ضعيف ، لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه ، وهم ما شاهدوا شجر الجنة . وثالثها : أنها شجرة يلتف بها ورقها التفافا شديدا ، ولا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية ، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان . وهذا أيضا ضعيف ، لأن الغرض صفاء الزيت ، وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون ، وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله . ورابعها : قال ابن عباس : « المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال « 5 » ، أو صحراء واسعة « 6 » ، فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب » . وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة . وقال الفراء « 7 » والزجاج « 8 » : « لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ، ولكنها « 9 » شرقية غربية « 10 » ، كما يقال : فلان لا مسافر ولا مقيم « 11 » ، إذا كان يسافر ويقيم « 12 » ، أي : تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها ، فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين ، فيكون زيتها أضوأ ، كما يقال : فلان ليس بأسود ولا أبيض ، يريد : ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص ، بل اجتمع فيه الأمران ، وهذا الرمان ليس بحلو « 13 » ولا حامض ، أي : اجتمع فيه الحلاوة والحموضة » . وهذا هو المختار ، لأن الشجرة إذا كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء ، وحينئذ يكون مقصود التمثيل أتم « 14 » . وقيل : المراد ب « المشكاة » صدر محمد ، ( و « الزجاجة » قلب محمد ) « 15 » و « المصباح » ما في قلب محمد من الدين ، « يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ » « 16 » يعني :
--> ( 1 ) الزيت : تكملة من الفخر الرازي . ( 2 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 3 ) في ب : ب . ( 4 ) إذ : سقط من ب . ( 5 ) في الأصل : عالي . ( 6 ) في الأصل : وسعة . ( 7 ) معاني القرآن 2 / 253 . ( 8 ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 45 . ( 9 ) في الأصل : ولكن . ( 10 ) في ب : وغربية . ( 11 ) في النسختين : لا يسافر ولا يقيم . ( 12 ) في الأصل : لا يسافر ولا يقيم . وفي ب : لا يسافر ويقيم . ( 13 ) في ب : بحلوا . ( 14 ) انظر الفخر الرازي 23 / 237 - 238 . ( 15 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 16 ) في ب : توقد من شجرة مباركة .