عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

183

اللباب في علوم الكتاب

هذه الآية على أنه « أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » في اعتقادكم وظنكم كقوله : « وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » « 1 » . وجواب ثان ، وهو أنّ الخالق هو المقدر ، لأن الخلق هو التقدير ، فالآية تدل على أنه تعالى أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان ، وذلك في حق اللّه تعالى محال ، فتكون الآية من المتشابه . وجواب ثالث : أنّ الآية تقتضي كون العبد خالقا بمعنى كونه مقدرا لكن لم قلت إنه خالق بمعنى كونه موحدا . فصل : [ في قول المعتزلة : الآية تدل على أن كل ما خلقه اللّه حسن وحكمة وصواب ] قالت المعتزلة : الآية تدل على أنّ كل ما خلقه اللّه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين ، وإذا كان كذلك وجب أن لا « 2 » يكون خالقا للكفر والمعصية ، فوجب أن يكون العبد هو الموجد « 3 » لهما « 4 » . وأجيب بأنّ من الناس من حمل الحسن على الأحكام والإتقان في « 5 » التركيب والتأليف ، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من اللّه كل الأشياء ، لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعا له عن فعل شيء « 6 » . فصل روى الكلبي عن ابن عباس « 7 » أنّ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما انتهى إلى قوله : « خَلْقاً آخَرَ » عجب من ذلك فقال : فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اكتب فهكذا نزلت » فشك عبد اللّه وقال : إن كان محمد صادقا فيما يقول ، فإنه يوحى إليّ كما يوحى إليه ، وإن كان كاذبا فلا خير في دينه ، فهرب إلى مكة ، فقيل : إنه مات على الكفر ، وقيل : إنه أسلم يوم الفتح « 8 » وروى سعيد « 9 » بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : فتبارك اللّه أحسن الخالقين . فقال رسول اللّه : « هكذا أنزل يا عمر » . وكان عمر يقول : وافقني ربي في أربع : الصلاة خلف المقام ، وضرب الحجاب على النسوة ، وقولي لهنّ : أو ليبدله اللّه خيرا منكنّ ، فنزل قوله : « عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ » « 10 » ، والرابع قوله : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » « 11 » قال العارفون : هذه الواقعة

--> ( 1 ) من قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] . ( 2 ) لا : سقط من ب . ( 3 ) في ب : الموجب . وهو تحريف . ( 4 ) في النسختين : لها . والصواب ما أثبته . ( 5 ) في ب : و . ( 6 ) الفخر الرازي 23 / 87 . ( 7 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 87 . ( 8 ) انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 115 ) . ( 9 ) في الأصل : سعد . وهو تحريف . ( 10 ) من قوله تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [ التحريم : 5 ] . ( 11 ) انظر الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ( 115 ) الدر المنثور 5 / 7 .