عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
184
اللباب في علوم الكتاب
كانت من أسباب السعادة لعمر ، وسبب الشقاوة لعبد اللّه ، كما قال تعالى : « يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً » « 1 » . فإن قيل : فعلى كل الروايات فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ، وذلك يقدح في كونه معجزا كما ظنّه عبد اللّه . فالجواب : هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز ، فسقطت شبهة عبد اللّه « 2 » . قوله : « ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ » أي : بعد ما ذكر ، ولذلك أفرد اسم الإشارة ، وقرأ العامة « لميّتون » ، وزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن « لمائتون » « 3 » والفرق بينهما : أن الميّت يدل على الثبوت والاستقرار ، والمائت على الحدوث كضيق وضائق وفرح وفارح ، فيقال لمن سيموت : ميّت ومائت ، ولمن مات : ميّت فقط دون مائت ، لاستقرار الصفة وثبوتها ، وسيأتي مثله في الزمر « 4 » إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : الموت لم يختلف فيه اثنان وكم من مخالف في البعث ، فلم أكّد المجمع عليه أبلغ تأكيد « 5 » وترك المختلف فيه من تلك المبالغة في التأكيد « 6 » ؟ فالجواب : أنّ البعث لما تظاهرت أدلته وتظافرت ، أبرز في صورة المجمع عليه المستغني عن ذلك ، وأنهم لمّا لم يعملوا « 7 » للموت ، ولم يهتموا بأموره ، نزّلوا منزلة من ينكره ، فأبرز لهم في صورة المنكر الذي استبعدوه كل استبعاد « 8 » . وكان أبو « 9 » حيان سئل عن ذلك « 10 » ، فأجاب بأنّ اللام غالبا تخلص المضارع للحال « 11 » ، ولا يمكن دخولها في « تبعثون » ، لأنه مخلص للاستقبال لعمله في الظرف المستقبل ، واعترض على نفسه بقوله : « وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » « 12 » فإن « 13 » اللام دخلت على المضارع العامل في ظرف مستقبل وهو « يَوْمَ الْقِيامَةِ » فأجاب بأنه خرج هذا بقوله : غالبا ، وبأن « 14 » العامل في « يَوْمَ الْقِيامَةِ » مقدر « 15 » ، وفيه نظر إذ فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه . و « بَعْدَ ذلِكَ » متعلق ب « ميّتون » ، ولا تمنع لام الابتداء من ذلك « 16 » .
--> ( 1 ) من قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] . ( 2 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 87 . ( 3 ) البحر المحيط 6 / 399 . ( 4 ) وهو قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] . ( 5 ) حيث أكد ب « إن » ، و « اللام » . ( 6 ) حيث أكد ب « إن » فقط . ( 7 ) في ب : يعلموا . وهو تحريف . ( 8 ) في ب : استبعاده . انظر البحر المحيط 6 / 399 . ( 9 ) أبو : سقط من ب . ( 10 ) أي لم دخلت اللام في قوله « لميتون » ولم تدخل في تبعثون ؟ . ( 11 ) تقدم الخلاف بين البصريين والكوفيين في لام الابتداء الداخلة على المضارع هل تخلصه للحال ؟ ( 12 ) [ النحل : 124 ] . ( 13 ) فإن : سقط من ب . ( 14 ) في الأصل : لأن . ( 15 ) انظر البحر المحيط 6 / 399 . ( 16 ) انظر التبيان 2 / 95 . ولام الابتداء لا تمنع هنا في أن يعمل ما بعدها فيما قبلها لأنها مزحلقة عن مكانها وهو الصدر .