عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
168
اللباب في علوم الكتاب
يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة ، وفي الأخرى معصية ، قالوا : وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد : إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور « 1 » . قوله : « وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ » قال عطاء « 2 » عن ابن عباس : عن الشرك « 3 » . وقال الحسن : عن المعاصي « 4 » . وقال الزجاج : كل باطل ، ولهو « 5 » وما لا يجمل « 6 » من القول والفعل « 7 » . وقيل : هو معارضة الكفار بالشتم والسب ، قال اللّه تعالى : « وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً » « 8 » أي : إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه « 9 » . واعلم أن اللغو قد يكون كفرا كقوله تعالى : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ » « 10 » ، وقد يكون كذبا لقوله « 11 » تعالى : « لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً » « 12 » ، وقوله : « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً » « 13 » . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك « 14 » . قوله : « وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ » اللام في قوله : « للزّكاة » مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله « 15 » ، ولكونه فرعا « 16 » . والزكاة في الأصل مصدر ، ويطلق على القدر المخرج من الأعيان ، وقال الزمخشري : اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب ، والمعنى فعل المزكي ، وهو الذي أراده اللّه فجعل المزكين فاعلين له ، ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل ، ويقال لمحدثه فاعل ، تقول للضارب : فاعل الضرب ، وللقاتل : فاعل القتل ، وللمزكي : فاعل التزكية ، وعلى هذا الكلام كله ، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث : ( من فعل هذا ) فيقال لك : فاعله اللّه أو بعض الخلق ، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها ( فاعلون ) « 17 » لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل ، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها ، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت :
--> ( 1 ) الفخر الرازي 23 / 78 - 80 . ( 2 ) من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 6 / 6 . ( 3 ) في الأصل : عن الشعبي . وهو تحريف . ( 4 ) في الأصل : عن ابن العاصي . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : وهو . وهو تحريف . ( 6 ) في ب : يحل . وهو تحريف . ( 7 ) قال الزجاج : ( اللغو كل لعب وهزل ، وكل معصية فمطرحة ملغاة ، وهم الذين قد شغلهم الجد فيما أمرهم اللّه به عن اللغو ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 6 . ( 8 ) من قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] . ( 9 ) آخر ما نقله هنا عن البغوي 6 / 6 . ( 10 ) من قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] . ( 11 ) في الأصل : كقوله . وهو تحريف . ( 12 ) [ الغاشية : 11 ] . ( 13 ) [ الواقعة : 25 ] . انظر الفخر الرازي 23 / 80 . ( 14 ) انظر الفخر الرازي 23 / 80 . ( 15 ) في الأصل : حاله . وهو تحريف . ( 16 ) البحر المحيط 6 / 395 . ( 17 ) ما بين القوسين تكملة من الكشاف .