عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

133

اللباب في علوم الكتاب

والذي يظهر أن الأولى يشبه أن تكون للآلة . « وَمَنْ عاقَبَ » مبتدأ خبره « لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ » « 1 » . فصل : [ في معنى قوله : « ومن عاقب بمثل ما عوقب به » ] المعنى : الأمر ذلك الذي قصصنا عليك « وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ » أي قاتل من كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغيا عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدىء بالقتال « 2 » . قال مقاتل : نزلت في قوم من قريش أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من « 3 » المحرم ، وكره المسلمون قتالهم ، وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام ، فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا ، فوقع في أنفس « 4 » المسلمين من القتال في الشهر الحرام . فأنزل اللّه هذه الآية ، وعفا عنهم وغفر لهم « 5 » . والعقاب الأول بمعنى الجزاء ، وأطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » « 6 » « يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ » « 7 » « 8 » . وهذه النّصرة تقوي تأويل من تأول الآية على مجاهدة الكفار لا على القصاص لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك . وقال الضحاك : هذه الآية في القصاص والجراحات لأنها مدنية « 9 » . قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه : من حرّق حرّقناه ، ومن غرّق غرّقناه لهذا الآية ، فإن اللّه تعالى جوّز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر . وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى : بل يقتل بالسيف . فإن قيل : كيف تعلق الآية بما قبلها ؟ فالجواب : كأنه تعالى قال : مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم « 10 » . ثم قال : « وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ » أي إن اللّه ندب المعاقبين إلى العفو عن الجاني بقوله : « فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » « 11 » « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » « 12 » « وَلَمَنْ صَبَرَ

--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 60 . ( 3 ) في الأصل : بقين في . وهو تحريف . ( 4 ) في ب : أنفسهم . وهو تحريف . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 60 . ( 6 ) [ الشورى : 40 ] . ( 7 ) [ النساء : 142 ] . وذلك على سبيل المشاكلة ، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا . انظر الإيضاح 360 . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 60 - 61 . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 60 . ( 10 ) المرجع السابق . ( 11 ) [ سورة الشورى : 40 ] . ( 12 ) [ البقرة : 237 ] .