عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
134
اللباب في علوم الكتاب
وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » « 1 » فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال : إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها . وقيل : إنه تعالى وإن ضمن له النصر على الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة ، فلوّح بذكر هاتين الصفتين . وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده « 2 » . قوله : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ » وفيه وجهان : الأول : أي : ذلك النصر بسبب أنه قادر ، ومن قدرته كونه خالقا لليل والنهار ومتصرفا فيهما ، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما ، وإذا كان كذلك كان قادرا على النصر . الثاني : المراد أنه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر « 3 » . ومعنى إيلاج أحدهما في الآخر أنه يحصل ظلمة هذا في ضياء ذلك بغيبوبة الشمس وضياء ذلك في ظلمة هذا بطلوعها كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده . وقيل هو أن يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات « 4 » . و « ذلك » مبتدأ و « بِأَنَّ اللَّهَ » خبره ، ثم قال : « وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » أي : أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره ، فكذلك يدرك المسموع والمبصر ، ولا يجوز المنع عليه ، وذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر « 5 » . قوله : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ » الآية . قرأ العامة « وأن ما » عطفا على الأول « 6 » . والحسن بكسرها استئنافا « 7 » . وقوله : « هُوَ الْحَقُّ » يجوز أن يكون فصلا ومبتدأ . وجوّز أبو البقاء أن يكون توكيدا « 8 » . وهو غلط لأن المضمر لا يؤكد المظهر « 9 » ، ولكان صيغة النصب أولى به من الرفع فيقال : إياه ، لأن المتبوع منصوب . وقرأ الأخوان
--> ( 1 ) [ الشورى : 43 ] . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 61 . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) المرجع السابق . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) انظر البحر المحيط 6 / 384 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) التبيان 2 / 947 . ( 9 ) وذلك لأن المظهر لا يؤكد إلا بظاهر ، ولا يؤكد بمضمر فلا تقول : جاءني زيد هو ، ولا مررت بزيد هو ، لأنه يشترط في المؤكد أن لا يكون أعرف من المؤكد ، والمضمر أعرف من المظهر فلم يجز أن يكون توكيدا له . وأيضا فإن الغرض من التوكيد الإيضاح والبيان وإزالة اللبس ، والمضمر أخفى من الظاهر فلا يصلح أن يكون مبينا له . ابن يعيش 3 / 42 .