عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
131
اللباب في علوم الكتاب
وقوله : « ثُمَّ قُتِلُوا » وقوله : « مدخلا » تقدم الخلاف في القراءة بهما في آل عمران « 1 » وفي النساء « 2 » . فصل : [ في أنه لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين ] لما ذكر أن الملك له يوم القيامة ، وأنه يحكم بينهم ، ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين ، وأفردهم بالذكر تفخيما لشأنهم فقال : « وَالَّذِينَ هاجَرُوا » « 3 » فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة اللّه ، وطلب رضاه « ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا » وهم كذلك قال مجاهد : نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم وظاهر الآية العموم « 4 » . ثم قال : « لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً » والرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبدا وهو نعيم الجنة . وقال الأصم : إنه العلم والفهم لقول شعيب - عليه السلام « 5 » - « وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً » « 6 » . ( وقال الكلبي : « رِزْقاً حَسَناً » ) « 7 » أي حلالا وهو الغنيمة . وهذان الوجهان ضعيفان لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل اللّه بعد القتل والموت ، وبعدهما لا يكون إلا نعيم الآخرة « 8 » . ثم قال : « وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » معلوم « 9 » بأن كل الرزق من عنده . فقيل : إن « 10 » التفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره . وقيل : المراد أنه الأصل في الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة اللّه « 11 » . وقيل : إن غيره ينقل من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق . وقيل : إن غيره إذا رزق فإنما « 12 » يرزق لانتفاعه به ، إما لأجل خروجه عن الواجب أو لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء ، أو لأجل الرقّة الجنسية ، أما « 13 » الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالا زائدا ، فالرزق الصادر منه لمحض الإحسان . وقيل : إن غيره إنما يرزق إذا حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل ، وتلك الإرادة من اللّه ، فالرازق في الحقيقة هو اللّه « 14 » .
--> ( 1 ) من قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] . ( 2 ) عند قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [ النساء : 31 ] . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 58 . ( 4 ) المرجع السابق . ( 5 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 6 ) [ هود : 88 ] . ( 7 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 58 - 59 . ( 9 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 58 - 59 . ( 10 ) إن : سقط من ب . ( 11 ) في ب : اللّه تعالى . ( 12 ) في ب : إنما . ( 13 ) في ب : وأما . ( 14 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 58 - 59 .