عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
122
اللباب في علوم الكتاب
وقال : « إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 1 » ولا شك أنه - عليه السلام « 2 » - كان سيد المرسلين . وأما إن كان تكلمه بذلك اختيارا وهاهنا وجهان : أحدهما : أن يقول إن هذه الكلمة باطلة . والثاني : أن يقول إنها ليست كلمة باطلة . أما على الأول فذكروا فيه طريقين : الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء : إن شيطانا يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم ، فجاءه جبريل فاستعرضه ، فقرأ السورة ، فلما بلغ إلى تلك الكلمة . قال جبريل : أنا ما جئتك بهذا ، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - « أتاني آت على صورتك فألقاه على لساني » . الطريق الثاني : قال بعض الجهال : إنه - عليه السلام « 9 » - لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ، ثم رجع عنها . وهذان القولان لا يرغب فيهما « 3 » مسلم البتة ، لأن الأول يقتضي أنه - عليه السلام « 4 » - ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث . والثاني « 5 » يقتضي أنه كان خائنا في الوحي ، وكل واحد منهما خروج عن الدين . وأما الوجه الثاني وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فهاهنا أيضا طرق : الأول : أن يقال : الغرانيق هم الملائكة ، وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة ، فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ اللّه ذلك . الثاني : أن يقال : المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار ، فكأنه قال : أشفاعتهن « 6 » ترتجى ؟ الثالث : أن يقال : ذكر تعالى الإثبات وأراد النفي كقوله « يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا » « 7 » أي : لا تضلوا ، كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً » « 8 » والمعنى أن تشركوا . وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا « 9 » يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن ، أو في الصلاة بناء على هذا التأويل ، ولكن الأصل في الدين
--> ( 1 ) [ الحجر : 40 ] و [ ص : 83 ] . ( 2 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) في ب : فيها . وهو تحريف . ( 4 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 5 ) في ب : الثالث . وهو تحريف . ( 6 ) في ب : شفاعتهن . ( 7 ) [ النساء : 176 ] . ( 8 ) [ الأنعام : 151 ] . ( 9 ) لا : سقط من الأصل .