عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
123
اللباب في علوم الكتاب
أن لا يجوز عليهم شيئا من ذلك ، لأن اللّه تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر ، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه اللّه تعالى « 1 » على تركها نحو الفظاظة وقول الشعر ، فقد ظهر القطع بكذب هذه الوجوه المذكورة في قوله : الغرانيق العلا هذا إذا فسرنا التمني بالتلاوة . فأما إن فسرنا التمني بالخاطر وتمني القلب ، فالمعنى أنه - عليه السلام « 2 » - إذا تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس إليه الشيطان بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ، ثم إن اللّه تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته . ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه : أحدها : أنه تمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا : إنه - عليه السلام « 7 » - كان « 3 » يحب أن يتألفهم « 4 » ، فكان يتردد ذلك في نفسه ، فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه ، وهذا أيضا خروج عن الدين لما تقدم « 5 » . وثانيها « 6 » : قال مجاهد إنه - عليه السلام « 7 » - كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير ، فنسخ اللّه ذلك بأن عرفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها . وثالثها : يحتمل أنه - عليه السلام « 7 » - عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إذا كان مجملا ، فيلقي الشيطان في جملته ما لم ينزل « 7 » ، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده بأدلته وآياته . ورابعها : معنى « إِذا تَمَنَّى » إذا أراد فعلا مقربا « 8 » إلى اللّه ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه ، فرجع إلى اللّه في ذلك ، وهو كقوله : « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » « 9 » ، وكقوله : « وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ » « 10 » . ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب ، لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - فتنة للكفار ، وذلك يبطله قوله : لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ . والجواب : لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار « 11 » .
--> ( 1 ) تعالى : سقط من الأصل . ( 2 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 3 ) في ب : كانوا وهو تحريف . ( 4 ) في الأصل : يتفالهم . وهو تحريف . ( 5 ) عند حديثه عن ضعف الوجه الرابع . ( 6 ) في ب : وثالثها . وهو تحريف . ( 7 ) في الأصل : يرده . ( 8 ) في ب : تقربا . ( 9 ) [ الأعراف : 20 ] . و « طيف » قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي وقرأ الباقون « طائف » . انظر السبعة ( 301 ) ، الكشف 1 / 486 - 487 . ( 10 ) [ الأعراف : 200 ] . ( 11 ) الفخر الرازي 23 / 51 - 55 .