عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
116
اللباب في علوم الكتاب
وأما معاجزين فالمغالبة « 1 » في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة لا إلى اللّه تعالى « 2 » . ثم قال : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي : أنهم يدومون فيها . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 52 إلى 57 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 57 ) قوله تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ » الآية . قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي ، وغيرهما من المفسرين : لما رأى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم « 3 » عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيه من اللّه ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه « 4 » على إيمانهم ، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش ، وأحب يومئذ أن لا يأتيه من اللّه شيء ينفّر عنه ، وتمنى ذلك فأنزل اللّه سورة « وَالنَّجْمِ إِذا هَوى » « 5 » ، فقرأها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى بلغ « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » « 6 » ، ألقى الشيطان على لسانه لما كان تحدثه « 7 » به نفسه ويتمنّاه : تلك الغرانيق « 8 » العلى منها الشفاعة ترتجى . فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ، ومضى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في قراءته ، وقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة « 9 » ، فسجد المسلمون لسجوده ، وسجد جميع من في المسجد من المشركين ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص ، فإنهما أخذا حفنة من
--> ( 1 ) في ب : فالغالب وهو تحريف . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 - 48 . ( 3 ) في ب : ما عد هو . وهو تحريف . ( 4 ) في ب : لحرضه . وهو تصحيف . ( 5 ) [ النجم : 1 ] . ( 6 ) [ النجم : 19 ، 20 ] . ( 7 ) في ب : يحدث . ( 8 ) الغرانيق : هي الأصنام ، وهي في الأصل الذكور من طير الماء . ابن الأنباري : الغرانيق الذكور من الطير واحدها غرنوق ، وغرنيق سمي به لبياضه . وقيل هو الكركي . كانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من اللّه عز وجل ، وتشفع لهم إليه فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء . قال ويجوز أن تكون الغرانيق في الحديث جمع الغرانق وهو الحسن . يقال : غرانق وغرانق وغرانيق . اللسان ( غرنق ) . ( 9 ) عند قوله تعالى : فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [ النجم : 62 ] .