عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
117
اللباب في علوم الكتاب
البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما لأنهما كانا شيخين كبيرين ، فلم يستطيعا السجود ، وتفرقت قريش ، وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذّكر ، وقالوا قد عرفنا أن اللّه يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، فإن جعل لها محمد نصيبا فنحن معه فلما أمسى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أتاه جبريل ، فقال : يا محمد ماذا صنعت تلوت على النّاس ما لم أنزل به عن اللّه عز وجل « 1 » ، وقلت ما لم أقل لك ؟ فحزن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حزنا شديدا ، وخاف من اللّه خوفا عظيما فأنزل اللّه هذه الآية يعزيه ، وكان به رحيما « 2 » . قال ابن الخطيب : وأما أهل التحقيق فقالوا : هذه الرواية باطلة موضوعة لوجوه من القرآن والسنة والمعقول : أما القرآن فقوله تعالى : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » « 3 » ، وقوله : « قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » « 4 » ، وقوله : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 5 » . فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية قوله : تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب اللّه في الحال ، وذلك لا يقوله مسلم . وقوله : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا » « 6 » وكلمة « كاد » عند بعضهم قريب « 7 » أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل ، وقوله : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ » « 8 » وكلمة « لولا » لانتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فذلك دل « 9 » على أن الركون « 10 » القليل لم يحصل ، وقوله : « لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ » « 11 » ، وقوله : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 12 » وأما السنة : فروي عن محمد بن إسحاق أنه سئل عن هذه القصة « 13 » فقال : هذا من وضع الزنادقة وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي « 14 » هذه « 15 » القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم قال : رواة هذه القصة مطعونون . وروى البخاري في صحيحه أنه - عليه السلام « 16 » - قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنس وليس فيه ذكر الغرانيق « 17 » .
--> ( 1 ) في ب : عن اللّه تعالى . ( 2 ) انظر تفسير البغوي 5 / 600 - 601 ، أسباب النزول للواحدي 229 - 230 ، الفخر الرازي 23 / 50 - 51 . ( 3 ) [ الحاقة : 44 ، 45 ، 46 ] . ( 4 ) [ يونس : 15 ] . ( 5 ) [ النجم : 3 ، 4 ] . ( 6 ) [ الإسراء : 73 ] . ( 7 ) في ب : قرب . ( 8 ) [ الإسراء : 74 ] . ( 9 ) في ب : فدل ذلك . ( 10 ) في ب : الركوب . وهو تحريف . ( 11 ) من قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] . ( 12 ) [ الأعلى : 6 ] . ( 13 ) في الأصل : الصفة . وهو تحريف . ( 14 ) تقدم . ( 15 ) في ب : في هذه . وهو تحريف . ( 16 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 17 ) عن ابن عباس - رضي اللّه عنه قال : سجد النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس . أخرجه البخاري ( التفسير ) 3 / 194 .