عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
101
اللباب في علوم الكتاب
فصل : [ في معنى الآية : « الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ » ] لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا ، فسر ذلك الظلم بقوله « الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ » ، فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين : الأول : أنهم أخرجوا من ديارهم . والثاني : أخرجوهم بسبب قولهم : « رَبُّنَا اللَّهُ » . وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم « 1 » . قوله : « إِلَّا أَنْ يَقُولُوا » . فيه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الاستثناء المنقطع « 2 » ، وهذا مما يجمع العرب على نصبه ، لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل إليه ، وما كان كذا أجمعوا على نصبه نحو : ما زاد إلا ما نقص ، وما نفع إلا ما ضر . فلو توجه العامل جاز فيه لغتان : النصب وهو لغة الحجاز ، وأن يكون كالمتصل في النصب والبدل « 3 » نحو ما فيها أحد إلا حمار « 4 » . وإنما كانت الآية الكريمة من الذي لا يتوجه عليه العامل « 5 » ، لأنك لو قلت : الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا اللّه لم يصح « 6 » . الثاني : أنه في محل جر بدلا من « حقّ » . قال الزمخشري : أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير ، ومثله « هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ » « 7 » « 8 » انتهى . وممن جعله في موضع جر بدلا مما قبله الزجاج « 9 » . إلا أن أبا حيان رد ذلك فقال : ما أجازاه من البدل لا يجوز ، لأن البدل لا يجوز إلا « 10 » حيث سبقه نفي أو نهي
--> ( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 40 . ( 2 ) وهو الراجح . تفسير ابن عطية 10 / 288 - 289 ، البيان 2 / 177 ، البحر المحيط 6 / 374 . ( 3 ) وهو لغة تميم . ( 4 ) انظر هذه القضية في البحر المحيط 6 / 374 ، وشرح التصريح 1 / 348 - 353 ، وشرح الأشموني 2 / 141 - 148 . ( 5 ) العامل : سقط من ب . ( 6 ) البحر المحيط 6 / 374 . ( 7 ) من قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ [ المائدة : 59 ] . ( 8 ) الكشاف 3 / 24 . ( 9 ) فإنه قال : ( « أن » في موضع جر ، المعنى أخرجوا بلاحق إلا بقولهم : ربنا اللّه أي لم يخرجوا إلا بأن وحدوا اللّه ، فأخرجتهم عبدة الأوثان لتوحيدهم ) معاني القرآن وإعرابه 3 / 430 . ( 10 ) في ب : إلا من .