أحمد بن علي الطبرسي
172
الاحتجاج
المتقنات ، علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا . قال الرجل : فلم لا تدركه حاسة البصر ؟ قال : للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار ، منهم ومن غيرهم ، ثم هو أجل من أن يدركه بصر ، أو يحيط به وهم ، أو يضبطه عقل . قال : فحده لي ! قال : لا حد له . قال : ولم ؟ قال : لأن كل محدود متناه ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ، فهو غير محدود ، ولا متزايد ولا متناقص ، ولا متجزي ، ولا متوهم . قال الرجل : فأخبرني عن قولكم : أنه لطيف ، وسميع ، وبصير ، وعليم وحكيم ، أيكون السميع إلا بالأذن ، والبصير إلا بالعين ، واللطيف إلا بعمل اليدين والحكيم إلا بالصنعة ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : إن اللطيف منا على حد إيجاد الصنعة ، أو ما رأيت أن الرجل اتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه ؟ فيقال : ما ألطف فلانا . فكيف لا يقال للخالق الجليل : ( لطيف ) إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا ، وركب في الحيوان منه أرواحها ، وخلق كل جنس مباينا من جنسه في الصورة ، ولا يشبه بعضه بعضا ، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته . ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطايبها ، المأكولة منها وغير المأكولة ، فقلنا عند ذلك أن خالقنا ( لطيف ) لا كلطف خلقه في صنعتهم ، وقلنا أنه ( سميع ) لأنه لا يخفى عليه أصوات خلقه ، ما بين العرش إلى الثرى ، من الذرة إلى ما أكبر منها ، في برها وبحرها ، ولا يشتبه عليه لغاتها ، فقلنا عند ذلك أنه سميع لا بأذن ، وقلنا : أنه ( بصير ) لا ببصر ، لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء ، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية ، ويرى مضارها ومنافعها ، أثر و