عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
87
اللباب في علوم الكتاب
فصل في دحض شبهة خلق الأفعال احتجّ أهل السّنّة بهذه الآية على أنّ الهدى والضلال من اللّه تعالى . قالت المعتزلة « 1 » : « المراد فريقا هدى إلى الجنّة والثّواب ، وفريقا حقّ عليهم الضّلال أي : العذاب والصّرف عن طريق الثّواب » . قال القاضي « 2 » : لأنّ هذا هو الذي يحقّ عليهم دون غيرهم ، إذا العبد لا يستحق أن يضلّ عن الدّين ، إذ لو استحقّ ذلك لجاز أن يأمر أولياءه بإضلالهم عن الدّين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثّقة بالنّبوّات . وهذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أن قوله « فريقا هدى » إشارة إلى الماضي ، وعلى التّأويل الذي ذكروه يصير المعنى : أنّه تعالى سيهديهم في المستقبل ، ولو قال : إنّ المراد : أنّه تعالى حكم في الماضي أنّه سيهديهم إلى الجنّة كان هذا عدولا عن الظّاهر من غير حاجة ؛ لأنّه قد تبين بالدّليل القاطع أن الهدى والضلال ليسا إلا من اللّه تعالى . والثاني : هب أن المراد من الهداية والضّلال حكم اللّه بذلك ، إلا أنّه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، والإلزام انقلاب ذلك الحكم كذبا ، والكذب على اللّه محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور خلاف ذلك من العبد محالا . قوله : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ . قال ابن عبّاس : يريد ما سنّ لهم عمرو بن لحيّ ، وهذا بعيد بل هو محمول على عمومه ، فكلّ من شرع في باطل فهو مستحقّ للذم ، سواء حسب كونه هدى ، أو لم يحسب ذلك ، وهذه الآية تدل على أنّ الكافر الذي يظن أنّه في دينه على الحقّ والجاحد المعاند سواء ، وتدلّ أيضا على أنّ مجرّد الظن والحسبان لا يكفي في صحّة الدين ، بل لا بدّ فيه من الجزم والقطع ؛ لأنّه تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين ، ولولا أن هذا الحسبان مذموم وإلّا لما ذمهم بذلك . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 31 ] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) لمّا أمرنا بإقامة الصّلاة بقوله : وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . وكان ستر العورة شرطا لصحّة الصّلاة أتبعه بذكر اللّباس . قال ابن عبّاس : إنّ أهل الجاهليّة من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد « منى » طرحوا ثيابهم ، وأتوا المسجد عراة ، وقالوا : لا
--> ( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 49 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 49 .