عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

88

اللباب في علوم الكتاب

نطوف بثياب « 1 » أصبنا فيها الذّنوب ، ومنهم من يقول : نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى من الذّنوب كما تعرّينا عن الثياب ، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلّقه على حقويها لتستتر به عن الحمس وهم قريش ، فإنّهم كانوا لا يفعلون ذلك ، وكانوا يطوفون في ثيابهم ، ولا يأكلون من الطعام إلّا قوتا . قال الكلبيّ : كانت بنو عامر لا يأكلون في أيّام حجّهم من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ، يعظّمون بذلك حجهم فقال المسلمون يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنحن أحقّ أن نفعل ذلك فنزلت هذه الآية « 2 » . و « كلوا » يعني : اللحم والدسم . « وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » بتحريم ما أحلّ اللّه لكم من اللحم والدسم . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الذين يفعلون ذلك . قال ابن عباس : « كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة » « 3 » . قال عليّ بن الحسين بن واقد : وقد جمع اللّه الطبّ كلّه في نصف آية فقال : « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » . فصل في معنى « الزينة » المراد من الزّينة لبس الثياب لقوله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [ النور : 31 ] . يعني : الثّياب . والزينة لا تحصل إلا بالسّتر التام للعورات ، ولذلك صار التزين بأخذ الثياب في الجمع والأعياد سنّة ، فوجب حمل الزينة على ستر العورة . وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزّينة هنا لبس الثياب التي تستر العورة ، وقد أمر بها بقوله : « خُذُوا زِينَتَكُمْ » ، والأمر للوجوب ، فثبت أنّ أخذ الزّينة واجب ، وكل ما سوى اللبس فهو « 4 » واجب ، فوجب حمل الزّينة على اللبس عملا بالنّصّ بقدر الإمكان ، فدلّ على وجوب ستر العورة عند إقامة الصّلاة . فإن قيل : إنّه عطف عليه قوله : « كُلُوا وَاشْرَبُوا » ، وذلك أمر إباحة ، فوجب أن يكون قوله : « خُذُوا زِينَتَكُمْ » أمر إباحة أيضا والجواب لا يلزم من ترك الظّاهر المعطوف تركه في

--> ( 1 ) في أ : من ثياب . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 14 / 50 ) عن ابن عباس . ( 3 ) ذكره السيوطي بهذا اللفظ في « الدر المنثور » ( 3 / 149 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي شيبة . وأخرجه الطبري ( 5 / 472 ) عن ابن عباس بمعناه . ( 4 ) في أ : فغير .