عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

564

اللباب في علوم الكتاب

فمن ذكّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله : « منكم » ؛ لأنّ التأنيث مجازي ، إذ المراد ب « المائة » الذّكور ، ومن أنّث فلأجل اللفظ ، ولم يلتفت للمعنى ، ولا للفصل . وأمّا أبو عمرو فإنّما فرّق بين الموضعين فذكّر في الأول ، لما ذكر ؛ ولأنّه لحظ قوله : « يغلبوا » وأنّث في الثاني ، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله : « صابرة » ، وأمّا : « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ » و « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ » فبالتذكير عند جميع القرّاء ، إلّا الأعرج ، فإنه أنّث المسند إلى « عشرون » . فصل [ في معنى قوله : « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » ] هذا خبر والمراد به الأمر ، كقوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 . ] والمعنى : « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ » فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتّى « يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ » ويدلّ على أنّ المراد الأمر وجوه : أولها : لو كان المراد الخبر ، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكفّار عشرين من المؤمنين ، وذلك باطل . وثانيها : قوله تعالى الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ نسخ والنسخ لا يليق إلّا بالأمر . وثالثها : قوله تعالى وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وذلك ترغيب في الثبات على الجهاد . فصل [ في معنى قوله : « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ » ] قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يدلّ على أنّه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلّا بشرط كونه صابرا قادرا على ذلك ، وإنّما حصل هذا الشّرط عند حصول أشياء . منها : أن يكون شديد الأعضاء ، قويا جلدا ، وأن يكون قوي القلب شجاعا غير جبان ، وأن يكون غير متحرّف إلّا لقتال أو متحيزا إلى فئة ؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة . وإنّما حسن هذا التكليف ؛ لأنه مسبوق بقوله : حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 64 ] فلمّا وعد المؤمنين بالكفاية والنّصرة كان هذا التكليف سهلا ؛ لأنّ من تكفّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه . فإن قيل : هذه الآية تدلّ على وجوب ثبات الواحد للعشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللّفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟ . والجواب : أن هذا الكلام إنّما ورد على وفق الواقعة ؛ لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يبعث السّرايا ، والغالب أن تلك السّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين ، وما كانت تزيد على المائة فلهذا ذكر اللّه هذين العددين .