عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
565
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » وهذا كالعلّة لتلك الغلبة ؛ لأنّ من لا يؤمن باللّه ولا يؤمن بالمعاد ، فالسعادة ليست عنده إلّا هذه الحياة الدنيويّة ، ومن كان هذ معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال . وأمّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنّ السعادة لا تحصل إلّا في الدّار الآخرة ، فإنّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ، ولا يقيم لها وزنا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، وإذا كان الأمر كذلك ، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير . وأيضا : فإن الكفّار إنّما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء ، والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى . فصل [ في معنى قوله : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » ] كان هذا يوم بدر فرض اللّه على الرّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين ، فخفّف اللّه عنهم فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف . وقرأ المفضل « 1 » عن عاصم « وعلم » مبنيا للمفعول ، و « أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل ، وهو في محلّ نصب على المفعول به في قراءة العامة ؛ لأن فاعل الفعل ضمير يعود على اللّه تعالى . قوله : « ضعفا » قرأ عاصم « 2 » وحمزة هنا ، وفي الرّوم في كلماتها الثلاث اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً [ الروم : 54 ] بفتح الضاد والباقون بضمها . وعن حفص وحده خلاف في الروم . وقرأ عيسى « 3 » بن عمر : « ضعفا » بضم الضاد والعين وكلها مصادر . وقيل : الضّعف - بالفتح - في الرأي والعقل ، وبالضم في البدن . وهذا قول الخليل بن أحمد ، هكذا نقله الراغب عنه . ولمّا نقل ابن عطية هذا عن الثعلبي ، قال : « وهذا القول تردّه القراءة » . وقيل : هما بمعنى واحد ، لغتان : لغة الحجاز الضّمّ ، ولغة تميم الفتح ، نقله أبو عمرو ، فيكونان ك : الفقر والفقر ، والمكث والمكث ، والبخل والبخل . وقرأ ابن « 4 » عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر « ضعفاء » جمعا على « فعلاء » ك : ظريف وظرفاء .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 435 . ( 2 ) ينظر : السبعة ( 308 - 309 ) الحجة 4 / 161 - 162 ، حجة القراءات ص ( 313 ) ، إعراب القراءات 1 / 233 ، النشر 2 / 277 ، إتحاف 2 / 83 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 7551 ، الدر المصون 3 / 436 . ( 4 ) ينظر : إعراب القراءات 1 / 233 ، الدر المصون 3 / 436 .