عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
542
اللباب في علوم الكتاب
بالسيف وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم » « 1 » وقال ابن جريح « يريد ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها » . والمراد بالتوفي : القتل . قوله وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ هذا منصوب بإضمار قول الملائكة ، أي : يضربونهم ويقولون لهم : ذوقوا . وقيل : الواو في « يضربون » للمؤمنين أي : يضربونهم حال القتال ، وحال توفّي أرواحهم الملائكة . قيل : كان مع الملائكة مقامع من حديد ، يضربون بها الكفّار ، فتلتهب النّار في جراحاتهم ؛ فذلك قوله : وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ، وقال الحسن - رضي اللّه عنه - : « هذا يوم القيامة ، تقول لهم خزنة جهنم : ذوقوا عذاب الحريق » « 2 » وقال ابن عبّاس - رضي اللّه تعالى عنهما - : « يقولون لهم ذلك بعد الموت » « 3 » . قوله : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ . أي : ذلك الضرب الذي وقع بكم ، أو عذاب الحريق : « بما قدّمت أيديكم » بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام - . قال الواحديّ : « يجوز أن يقال « ذلك » مبتدأ ، وخبره « بما قدّمت أيديكم » ويجوز أن يكون خبره محذوفا ، والتقدير : ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم ، ويجوز أن يكون محل « ذلك » نصبا والتقدير : فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم » . فصل [ في معنى قوله : « ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ » ] فإن قيل : قوله ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ يقتضي أنّ فاعل هذا الفعل هو اليد ، وذلك ممتنع لوجوه ، أولها : أنّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها : أن اليد ليست محلّا للمعرفة والعلم ، فلا يتوجّه التكليف عليها ، فلا يمكن إيصال العذاب إليها . فالجواب : أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل ، والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة . واعلم أنّ الإنسان جوهر واحد ، وهو الفعال ، وهو الدراك ، وهو المؤمن ، وهو الكافر وهو المطيع ، وهو العاصي ، وهذه الأعضاء آلات له ، وأدوات له في الفعل ؛ فأضيف الفعل في الظّاهر إلى الآله ، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان . فإن قيل : إنّه جعل هذا العقاب ، إنّما تولّد من الفعل الذي صدر عنه ، والعقاب إنما يتولّد من العقائد الباطلة .
--> ( 1 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 256 ) والرازي في « تفسيره » ( 15 / 142 ) . ( 2 ) انظر : المصدر السابق . ( 3 ) انظر : المصدر السابق .