عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
543
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أنّا بيّنا أنّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد ، فأطلق على المسبب اسم السّبب وهذا من أشهر وجوه المجاز . قوله : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . في محل « أنّ » وجهان : أحدهما : النصب بنزع الخافض يعني : بأنّ اللّه . والثاني : أنّك إن جعلت قوله : « ذلك » في موضع رفع ، جعلت « أنّ » في موضع رفع أيضا ، أي : وذلك أنّ اللّه . قال الكسائيّ : « ولو كسرت ألف « أنّ » على الابتداء كان صوابا ، وعلى هذا التقدير يكون كلاما مبتدأ منقطعا عمّا قبله » . فصل [ في توضيح أن اللّه تعالى لم يكن ظالما بهذا العذاب وأنه قوي شديد العقاب ] قالت المعتزلة « 1 » : لو كان اللّه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه لكان ظالما ، وأيضا قوله تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يدلّ على أنه تعالى إنّما لم يكن ظالما بهذا العذاب ؛ لأنّ العبد قدّم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدلّ على أنّه لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالما في هذا العذاب ، وأيضا : لو كان موجد الكفر والمعصية هو اللّه لا العبد لوجب كون اللّه ظالما ، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مستقصاة في آل عمران . قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الآية . لمّا بيّن ما أنزله بأهل بدر من الكفّار عاجلا وآجلا ، أتبعه بأن بيّن أنّ هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ . قال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما « هو أن آل فرعون أيقنوا أنّ موسى نبي اللّه فكذبوه ، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصّدق فكذّبوه ، فأنزل اللّه عقوبته ، كما أنزل بآل عمران » « 2 » . « وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » أي : كعادة الذين من قبلهم ، وتقدّم الكلام على « كدأب » في آل عمران . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ والغرض منه : التّنبيه على أن لهم عذابا مدخرا سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل ، ثمّ ذكر ما يجري مجرى العلّة في العقاب الذي أنزله بهم ، فقال : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ » ، « ذلك » مبتدأ وخبر أيضا ، كنظيره أي : ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أنّ اللّه .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 143 . ( 2 ) ذكره الواحدي في « الوسيط » ( 2 / 466 ) والبغوي ( 2 / 256 ) .