عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

488

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في تفسير كلمة « لو » ] قال النّحاة : كلمة « لو » وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فإذا قلت : لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنّه ما حصل المجيء ، وما حصل الإكرام ، ومن الفقهاء من قال : إنّه يفيد الاستلزام ، فأمّا الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللّفظ ، ويدل عليه الآية والخبر . أمّا الآية فهذه وتقريره : أنّ كلمة « لو » لو أفادت ما ذكروه لكان قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يقتضي أنّه تعالى ما علم خيرا وما أسمعهم ، ثمّ قال وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فيكون معناه : أنه ما أسمعهم ، وأنهم ما تولّوا لكن عدم التولي خير من الخيرات ، فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول الخير ، وذلك متناقض . فثبت القول : بأنّه لو كانت كلمة : « لو » تفيد انتفاء الشّيء لانتفاء غيره لوجب هذا التناقض ؛ فوجب أن لا يصار إليه . وأمّا الخبر فقوله عليه الصلاة السلام : « نعم الرّجل صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » « 1 » فلو كانت لفظة « لو » تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنّه خاف اللّه وعصاه ، وذلك متناقض .

--> ( 1 ) ذكره الشيخ علي القاري في « الأسرار المرفوعة » رقم ( 81011 ) وقال : اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية ، فبعضهم يرويه عن عمر ، وبعضهم يرفعه . قال السخاويّ : ورأيت بخط شيخنا - يعني العسقلاني - أنه ظفر به في « مشكل الحديث » لابن قتيبة ، ولم يذكر له ابن قتيبة سندا ، وقال : أراد أن صهيبا إنما يطيع اللّه حبّا له لا لمخافة عقابه . انتهى . وقال السبكي في « شرح التلخيص » لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا ولا عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن عمر مع شدة التفحص عنه . وقال الشمني في « حاشية المغني » عن والده أنه رأى بخطه ما صورته : رأيت الحافظ أبا بكر بن العربي نسبه إلى عمر بن الخطاب إلّا أنه لم يبدله إسنادا . وقال العراقي : لا أصل لهذا الحديث ولم أقف له على إسناد قط في شيء من كتب الحديث . وبعض النحاة ينسبونه إلى عمر بن الخطاب من قوله ، ولم أر إسنادا إلى عمر . وقال الدماميني في « حاشيته على المغني » وقفت في « الحلية » لأبي نعيم على حديث في ترجمة سالم مولى حذيفة من طريق عمر قال : سمعت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام يقول : إن سالما شديد الحب لله عز وجل لو كان لا يخاف اللّه ما عصاه . انتهى ذكره ابن أبي شريف في حاشية « شرح جمع الجوامع » . قال : وفي سنده ابن لهيعة . انتهى . وقال الزركشي : لا أصل لهذا الحديث لكن في « الحلية » من حديث ابن عمر مرفوعا : « إن سالما شديد الحب لله لو لم يخف اللّه ما عصاه » . وقال الحافظ السيوطي في « شرح نظم التلخيص » : كثر سؤال الناس عن حديث « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » ونسبه بعضهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ونسبه ابن مالك في شرح « الكافية » وغيره إلى عمر ، قال الشيخ بهاء الدين السبكي : لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا لا عن عمر ولا عن غيره ، مع شدة التفحص عنه انتهى .