عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
489
اللباب في علوم الكتاب
فثبت أنّ كلمة « لو » لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنّما تفيد مجرد الاستلزام ، وهذا دليل حسن إلّا أنّه خلاف قول الجمهور . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 24 إلى 26 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الآية . قال أبو عبيدة ، والزجاج : « استجيبوا » معناه : أجيبوا ؛ وأنشدوا قول الغنوي : [ الطويل ] 2690 - . . . * فلم يستجبه عند ذاك مجيب « 1 » وهذه الآية تدلّ على أنّ الأمر يفيد الوجوب ؛ لأنها تدل على أنه لا بدّ من الإجابة في كل ما دعاه اللّه إليه . فإن قيل : قوله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ أمر . فلم قلتم : إنّه على الوجوب ؟ وهل النّزاع إلا فيه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أنّ الأمر للوجوب بناء على أنّ هذا الأمر يفيد الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه ، وهو محال . فالجواب : أنّ من المعلوم بالضّرورة أنّ كل ما أمر اللّه به فهو مرغب فيه مندوب إليه ، فلو حملنا قوله « استجيبوا » على هذا المعنى كان ذلك جاريا مجرى إيضاح الواضحات وهو عبث ، فوجب حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صونا لهذا النصّ عن التعطيل . ويؤيده ما روى أبو هريرة أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : « ما منعك عن إجابتي » ؟ فقال : كنت أصلّي ، فقال : « أليس اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » فلامه على ترك الإجابة متمسكا بهذه الآية « 2 » .
--> ( 1 ) عجز بيت لكعب بن سعد الغنوي أو لرجل من قومه يسمى سهم الغنوي وصدره : وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى * . . . ينظر مجاز القرآن 1 / 67 ، 117 ، 245 والنوادر لأبي زيد 37 والأصمعيات 96 وتأويل المشكل ( 230 ) وزاد المسير 1 / 186 واللسان ( جوب ) وأمالي القالي 2 / 151 والاقتضاب 459 ومعاني الزجاج 1 / 255 ، 2 / 409 ، والحجة لأبي علي 1 / 265 ومعاني الأخفش 1 / 208 . ( 2 ) أخرجه النسائي ( 2 / 139 ) والبيهقي ( 2 / 368 ) والحاكم ( 1 / 558 ) والترمذي ( 5 / 184 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 1 / 467 ) والطبري في « تفسيره » ( 6 / 212 ) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة . وقال الترمذي : حسن صحيح .