عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

470

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : إنّ ربط قلوبهم أوجب ثبات الرّبط . وقيل : لمّا نزل المطر حصل للكافرين ضدّ ما حصل للمؤمنين ؛ لأنّ الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التّراب والوحل ، فلمّا نزل المطر عظم الوحل ؛ فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله : « ويثبّت به الأقدام » يدلّ دلالة المفهوم على أنّ حال الأعداء كان بخلاف ذلك . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 12 ] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) قوله : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ في « إذ » أوجه : أحدها : أنّه بدلّ ثالث من قوله وَإِذْ يَعِدُكُمُ . الثاني : أن ينتصب بقوله « يثبّت » . قالهما الزمخشريّ ولم يبن ذلك على عود الضمير . وأمّا ابن عطية « 1 » : فبناه على عود الضّمير في قوله « به » فقال : العامل في « إذ » العامل الأول على ما تقدّم فيما قبلها ، ولو قدّرناه قريبا لكان قوله : « ويثبّت » على تأويل عوده على الرّبط . وأمّا على تأويل عوده على : « الماء » فيقلق أن يعمل « ويثبّت » في « إذ » وإنّما قلق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبّت وزمان الوحي ، فإنّ إنزال المطر وما تعلّق به من تعليلات متقدم على تغشية النّعاس ، وهذا الوحي وتغشية النّعاس والإيحاء كانا وقت القتال . قوله : « أَنِّي مَعَكُمْ » مفعول ب « يوحي » أي : يوحي كوني معكم بالغلبة والنصر . وقرأ عيسى « 2 » بن عمر - بخلاف عنه - « أَنِّي مَعَكُمْ » بكسر الهمزة وفيه وجهان : أحدهما : أنّ ذلك على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين . والثاني : إجراء « يوحي » مجرى القول ؛ لأنّه بمعناه ، وهو مذهب الكوفيين . فصل [ في المقصود بهذه الآية ] في المعنى وجهان : أحدهما : أنّه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنّه تعالى معهم أي مع الملائكة حال إرسالهم ردءا للمسلمين . والثاني : أنّه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم ، وثبتوهم ، وهذا أولى ؛ لأن المقصود إزالة التّخويف ، والملائكة لم يخافوا الكفّار ، وإنّما الخائف هم المسلمون .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 507 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 507 ، البحر المحيط 4 / 463 ، الدر المصون 3 / 403 .