عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

449

اللباب في علوم الكتاب

ثم قال : « وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » يفوضون إليه أمورهم ، ويثقون به ، ولا يرجون غيره ، فالتّقديم يفيد الاختصاص ، أي : عليه لا على غيره ، وهذه الجملة يحتمل أن يكون لها محلّ من الإعراب ، وهو النّصب على الحال من مفعول : زادتهم ، ويحتمل أن تكون مستأنفة ، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصّلة قبلها ، فتدخل في حيّز الصلات المتقدّمة ، وعلى الوجهين فلا محلّ لها من الإعراب . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 3 إلى 4 ] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) قوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ذكر الصّلاة ؛ لأنّها رأس الطاعات الظاهرة ثم بذل المال في مرضاة اللّه ؛ فيدخل فيه الزكاة والصدقات ، والنّفقة في الجهاد ، وعلى المساجد والقناطر . قال المعتزلة « 1 » : أجمعت الأمة على أنّه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، فدلّ على أنّ الحرام لا يكون رزقا وقد تقدم البحث فيه . وقوله : « الَّذِينَ يُقِيمُونَ » يجوز في هذ الموصول أن يكون مرفوعا على النّعت للموصول أو على البدل ، أو على البيان له ، وأن يكون منصوبا على القطع المشعر بالمدح . قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا يجوز في حقّا أن يكون صفة لمصدر محذوف ، أي : هم المؤمنون إيمانا حقا ، ويجوز أن يكون مؤكدا لمضمون الجملة ، كقولك : هو عبد اللّه حقا ، والعامل فيه على كلا القولين مقدّر ، أي : أحقّه حقا ، ويجوز وهو ضعيف جدّا أن يكون مؤكّدا لمضمون الجملة الواقعة بعده وهي : لهم درجات ويكون الكلام قد تمّ عند قوله : هم المؤمنون ثم ابتدأ ب « حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ » وهذا إنّما يجوز على رأي ضعيف ، أعني تقديم المصدر المؤكّد لمضمون جملة عليها . قوله : عند ربّهم يجوز أن يكون متعلقا ب « درجات » ، لأنّها بمعنى أجور ، وأن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنّها صفة ل « درجات » أي : استقرّت عند ربهم ، وأن يتعلّق بما تعلّق به لهم من الاستقرار . فصل [ في قوله : « أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » ] قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي : يقينا ، قال ابن عبّاس : برءوا من الكفر « 2 » ، قال مقاتل : حقّا لا شكّ في إيمانهم « 3 » ، وفيه دليل على أنّه ليس لكل أحد أن يصف نفسه

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 15 / 98 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 179 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 298 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 229 ) . ( 3 ) انظر معالم التنزيل للبغوي ( 2 / 229 ) .