عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
445
اللباب في علوم الكتاب
فأمّا القول الأول : وهو أنّ السؤال كان عن حكم الأنفال ومصرفها ، فهو قول أكثر المفسرين لأنّ قوله قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ الأنفال : 1 ] يدلّ على أنّ المقصود منه منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ يدلّ على أنّ السّؤال كان بعد وقوع الخصومة بينهم ، وقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يدلّ على ذلك أيضا . وإذا عرف ذلك فيحتمل أن يكون المراد بهذه الأنفال قسمة الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهرا ، ويحتمل أن يكون المراد غيرها . أما الأوّل ففيه وجوه : أحدها : أنّه عليه الصّلاة والسّلام قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثمانية أنفس : ثلاثة من المهاجرين ، وخمسة من الأنصار ، فالمهاجرون : عثمان - رضي اللّه عنه - تركه عليه الصلاة والسلام على ابنته وكانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد فإنّه عليه الصلاة والسلام بعثهما للتّجسس عن خبر العدوّ وخرجا في طريق الشّام . وأما الأنصار : فأبو كنانة بن عبد المنذر ، وخلفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحارث بن حاطب : ردّه من الرّوحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه والحارث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الغنائم بسهم ، فوقع من غيرهم فيه منازعة ، فنزلت هذه الآية . ثانيها : روي أنّ الشّباب يوم بدر قتلوا وأسروا ، والأشياخ وقفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المضاف فقال الشبان : الغنائم لنا لأنّا قتلنا وأسرنا وهزمنا . فقال سعد بن معاذ : واللّه ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو ، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك ، فتعطف عليك خيل من المشركين فيصيبوك . وروي أنّ الأشياخ قالوا : كنّا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم ، فوقعت المخاصمة بهذا السّبب فنزلت هذه الآية . وثالثها : قال الزجاج : « الأنفال الغنائم ، وإنّما سألوا عنها ؛ لأنها كانت حراما على من كان قبلهم » . وهذا ضعيف ؛ لأنّا بيّنّا في هذا السؤال أنه كان مسبوقا بمنازعة ومخاصمة ، وعلى قول الزجاج يكون السّؤال عن طلب حكم فقط . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بالأنفال شيئا سوى الغنائم ، وعلى هذا أيضا فيه وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : « المراد بالأنفال ما شذّ عن المشركين