عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
438
اللباب في علوم الكتاب
قال الفراء : تقول العرب : اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك ؛ لأنهم كانوا يقولون : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ [ الفرقان : 4 ] أو يقال : هلّا اقترحتها على إلهك إن كنت صادقا ، وأنّ اللّه تعالى يقبل دعاءك ويجيب التماسك وذلك أنّهم كانوا يطلبون منه آيات معينة على سبيل التعنت كقوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] . وعند هذا أمر رسوله أن يجيبهم بالجواب الشافي ، فقال : « قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي » أي ليس عليّ أن أقترح على ربي وإنما أنا أنتظر الوحي . ثمّ بيّن أنّ عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ؛ لأنّ ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة قاهرة ، فهي كافية في تصحيح النبوة ، فطلب الزيادة تعنت ؛ فلا جرم قال : قل هذا يعني : القرآن بصائر حجج ، وبيان ، وبرهان لذوي العقول في دلائل التّوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، والبصائر : جمع بصيرة ، وأصلها ظهور الشّيء واستحكامه حتى يبصر الإنسان فيهتدي به ، أي : هذه دلائل تقودكم إلى الحقّ ؛ فأطلق على القرآن لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب . قال أبو حيّان « 1 » : وأطلق على القرآن بصائر إمّا مبالغة ؛ وإمّا لأنّه سبب البصائر ، وإمّا على حذف مضاف أي : ذو بصائر ثم قال : وهدى والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أنّ النّاس في معارف التوحيد ، والنبوة والمعاد ثلاثة أقسام : إحداها : الذين بلغوا في هذه المعارف بحيث صاروا كالمشاهدين لها ، وهم أصحاب عين اليقين . والثاني : الذين بلغوا إلى ذلك الحد إلّا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلّين ، وهم أصحاب علم اليقين فالقرآن في حقّ الأولين وهم السّابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني هدى ، وفي حق عامّة المؤمنين رحمة ، ولمّا كانت الفرق الثلاث من المؤمنين قال : « قوم يؤمنون » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 204 إلى 206 ] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) قوله تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ الآية . لمّا عظّم شأن القرآن بقوله : « هذا بَصائِرُ » أردفه بقوله : « وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ » . قوله له متعلق ب : استمعوا على معنى لأجله ، والضمير للقرآن ، وقال أبو البقاء :
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 48 .