عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
439
اللباب في علوم الكتاب
يجوز أن يكون بمعنى للّه ، أي لأجله فأعاد الضمير على اللّه وفيه بعد ، وجوّز أيضا أن تكون اللام زائدة : أي فاستمعوه ، وقد تقدّم أنّ هذا لا يجوز عند الجمهور إلّا في موضعين إمّا تقديم المعمول ، أو كون العامل فرعا ، وجوّز أيضا أن تكون بمعنى إلى ، ولا حاجة إليه . قوله « وأنصتوا » الإنصات : السّكوت للاستماع . قال الكميت : [ الطويل ] 2666 - أبوك الذي أجدى عليّ بنصره * فأنصت عنّي بعده كلّ قائل « 1 » قال الفراء : ويقال : نصت وأنصت بمعنى واحد ، وقد جاء أنصت متعديّا . فصل [ في معنى قوله : « فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا » ] قوله : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فيقتضي أن يكون الاستماع والسكوت واجبا ولعله يجوز أن تكون بحسب المخاطبين ، وأن تكون للتعليل وفيه أقوال : أحدها : قال الحسن وأهل الظاهر : يجب الاستماع والإنصات لكل قارىء ، سواء كان معلم صبيان أو قارىء طريق . الثاني : تحريم الكلام في الصّلاة . قال أبو هريرة : كانوا يتكلّمون في الصّلاة فنزلت هذه الآية ، فأمروا بالإنصات « 2 » . وقال قتادة : كان الرّجل يأتي وهم في الصّلاة ، فيسألهم : كم صلّيتم وكم بقي ؟ وكانوا يتكلّمون في الصّلاة بحوائجهم « 3 » فأنزل اللّه هذه الآية . الثالث : نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام . قال ابن عبّاس : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصّلاة المكتوبة ، وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم ؛ فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية « 4 » ، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال الكلبيّ : كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار « 5 » ، وعن ابن مسعود أنّه سمع ناسا يقرءون مع الإمام فلمّا انصرف ، قال : أما آن لكم أن تفقهوا « وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا » وهو قول الحسن والزهري والنخعي « 6 » وقال سعيد بن جبير ، وعطاء ، ومجاهد : إنّ الآية في الخطبة ، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام
--> ( 1 ) البيت للراعي . ينظر : مجاز القرآن 2 / 47 ، الجمهرة 2 / 360 ، حاشية الشهاب 4 / 248 ، اللسان ( نصت ) ، الدر المصون 3 / 390 . ( 2 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 225 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي ( 15 / 83 ) . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 226 ) . ( 6 ) ينظر : المصدر السابق .