عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
427
اللباب في علوم الكتاب
فاهمة ، فلهذا وردت هذه الألفاظ وفق اعتقادهم ؛ ولهذا قال فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [ الأعراف : 194 ] . وقال : « إنّ الذين » ولم يقل : « إنّ الّتي » . وثانيها : أن هذا اللّفظ ورد في معرض الاستهزاء بهم أي : أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ، ولا فضل لهم عليكم ، فلم جعلتم أنفسكم عبيدا وجعلتموها آلهة وأربابا ؟ ثم أبطل أن يكونوا عبادا فقال : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ثم أكّد البيان بقوله فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ . ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ لام الأمر على معنى التّعجيز ، ثمّ لمّا ظهر لكلّ عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنّها لا تصلح للعبادة ، ونظيره قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنّها آلهة ومستحقّة للعبادة . وثالثها : قال مقاتل : الخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة . قوله : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قرأ العامّة بكسر الطاء ، من بطش يبطش ، وقرأ أبو جعفر وشيبة ، ونافع في رواية عنه : يبطشون بضمها « 1 » ، وهما لغتان ، والبطش : الأخذ بقوة . واعلم أنّه تعالى ذكر هذا الدّليل لبيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يعبد هذه الأصنام ؛ لأنّ هذه الأعضاء الأربعة إذا كان فيها القوى المحركة والمدركة كانت أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرّجل القادرة على المشي ، واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، والعين الباصرة والأذن السّامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة السّامعة ، والباصرة ، وعن قوّة الحياة . وإذا ثبت ذلك ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من الأصنام بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضيلة الأصنام البتة . وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل والأكمل الأشرف أن يعبد الأخسّ الأدون الذي لا يحصل منه فائدة ألبتّة ، لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرّة . قوله : قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ قرأ أبو عمرو « 2 » كيدوني بإثبات الياء وصلا ، وحذفها وقفا وهشام بإثباتها في الحالين ، والباقون بحذفها في الحالين ، وعن هشام
--> ( 1 ) ينظر : إتحاف 2 / 71 ، والمحرر الوجيز 2 / 489 ، والبحر المحيط 4 / 441 . ( 2 ) ينظر : السبعة 300 ، والحجة 4 / 114 ، وإعراب القراءات 1 / 219 ، وإتحاف فضلاء البشر 2 / 72 .