عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

422

اللباب في علوم الكتاب

والباقون بضمّ الشين ، وفتح الرّاء ، ومدّ الكاف مهموزة ، من غير تنوين ، جمع « شريك » . فالشّرك مصدر ، ولا بد من حذف مضاف ، أي : ذوي شرك ، يعني : إشراك ، فهو في الحقيقة اسم مصدر ، ويكون المعنى : أحدثا له إشراكا في الولد ، وقيل : المراد بالشّرك : النصيب وهو ما جعلاه من رزقهما له يأكله معهما ، وكانا يأكلان ويشربان وحدهما ، فالضّمير في له يعود على الولد الصّالح . وقيل : الضمير في له لإبليس ولم يجر له ذكر ، وهذان الوجهان لا معنى لهما . وقال مكيّ وأبو البقاء وغيرهما : إنّ التقدير يجوز أن يكون : جعلا لغيره شركا . قال شهاب الدّين « 1 » : هذا الذي قدّره هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن : كان ينبغي لمن قرأ شركا أن يقول المعنى : جعلا لغيره شركا ؛ لأنّهما لا ينكران أنّ الأصل للّه فالشرك إنّما يجعله لغيره . قوله : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قيل : هذه جملة استئنافية ، والضمير في : يشركون يعود على الكفّار ، وأراد به إشراك أهل مكّة والكلام قد تمّ قبله ، وقيل : يعود على آدم وحواء وإبليس ، والمراد بالإشراك تسميتهما الولد الثالث ب « عبد الحارث » وكان أشار بذلك إبليس ، فالإشراك في التّسمية فقط ، وقيل : راجع إلى جميع المشركين من ذريّة آدم ، وهو قول الحسن ، وعكرمة ، أي : جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 51 ] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [ البقرة : 72 ] خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان ذلك الفعل من آبائهم . وقيل : لم يكن آدم علم ، ويؤيد الوجه الأول قراءة « 2 » السّلمي : « عمّا تشركون » بتاء الخطاب وكذلك « أتشركون » بالخطاب أيضا ، وهو التفات . قوله : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً . هذه الآية من أقوى الدّلائل على أنّه ليس المراد بقوله تعالى : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ما ذكره في قصّة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكليّة ، وكان ذلك النّظم في غاية الفساد ، بل المراد ما ذكرناه في الأجوبة من أنّ المقصود من الآية السابقة الرّدّ على عبدة الأوثان ؛ لأنه أراد ههنا إقامة الحجّة على أنّ الأوثان لا تصلح للإلهيّة فقوله : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي : أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئا ؟ وهم يخلقون ، يعني الأصنام .

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 383 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 488 ، والبحر المحيط 4 / 438 ، والدر المصون 3 / 383 .