عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
423
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « وَهُمْ يُخْلَقُونَ » يجوز أن يعود الضمير على ما من حيث المعنى وعبّر عن ما وهو مفرد بضمير الجمع ؛ لأنّ لفظة ما تقع على الواحد والاثنين والجمع فهي من صيغ الواحد بحسب لفظها ، ومحتملة للجمع فاللّه تعالى اعتبر الجهتين ؛ فوحّد قوله يخلق لظاهر اللفظ وجمع قوله : « وَهُمْ يُخْلَقُونَ » للمعنى ، والمراد بها الأصنام وعبر عنهم ب « هم » وجمعهم بالواو والنون ، لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء أو لأنهم مختلطون بمن عبد من العقلاء كالمسيح وعزير ، أو يعود على الكفّار ، أي : والكفار مخلوقون فلو تفكّروا في ذلك لآمنوا . فصل [ في دلالة الآية على أن العبد لا يخلق أفعاله ] دلّت هذه الآية على أنّ العبد لا يخلق أفعاله ؛ لأنّه تعالى طعن في إلاهية الأصنام لكونها لا تخلق شيئا وهذا الطّعن لا يتمّ إلّا إذا قلنا بأنّها لو كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلاهيتها ، وهذا يقتضي أنّ من كان خالقا كان إلها ، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه كان إلها ، ولمّا كان ذلك باطلا علمنا فساد هذا القول . قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً أي : أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ، ولا تضرّ من عصاها ، وهو المراد بقوله : وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ الظاهر أنّ الخطاب للكفّار ، وضمير النّصب للأصنام ، أي : وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد - كما تطلبونه من اللّه - لا يتابعوكم على مرادكم ، ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين ، والمنصوب للكفّار ، أي وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان ، ولا يجوز أن يكون تدعوا مسندا إلى ضمير الرسول فقط ، والمنصوب للكفّار أيضا ؛ لأنّه كان ينبغي أن تحذف الواو ، لأجل الجازم ، ولا يجوز أن يقال : قدّر حذف الحركة وثبت حرف العلّة ؛ كقوله : [ البسيط ] 2647 - هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا * من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع « 1 » ويكون مثل قوله تعالى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [ يوسف : 90 ] ، فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى [ طه : 77 ] لأنّه ضرورة ، وأمّا الآيات فمؤولة وسيأتي ذلك . قوله : « لا يَتَّبِعُوكُمْ » قرأ نافع « 2 » بالتخفيف ، وكذا في الشعراء يَتَّبِعُهُمُ [ 244 ] .
--> ( 1 ) ينظر : الإنصاف 1 / 24 ، وخزانة الأدب 8 / 359 ، والدرر 1 / 162 ، سر صناعة الإعراب 2 / 630 ، شرح التصريح 1 / 87 ، شرح شافية ابن الحاجب 3 / 184 ، شرح شواهد الشافية ص 406 ، المفصل 10 / 104 ، المقاصد النحوية 1 / 234 ، الممتع في التصريف 2 / 537 ، المنصف 2 / 115 ، همع الهوامع 1 / 52 ، والدر المصون 3 / 384 . ( 2 ) ينظر : السبعة 299 ، والحجة 4 / 113 ، وإعراب القراءات 1 / 219 ، وحجة القراءات 305 ، وإتحاف 2 / 71 .