عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
421
اللباب في علوم الكتاب
المضاف إليه مقامه وكذا فيما : « آتاهما » أي أولادهما ، كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية . فإن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في تثنية قوله « جعلا له » ؟ قلنا : لأنّ ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله « جعلا » المراد منه الذكر والأنثى فمرة عبّر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين ، ومرّة عبّر عنهم بلفظ الجمع ، وهو قوله : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . وثالثها : سلّمنا أن الضمير في قوله : « جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ » عائد إلى آدم وحواء - عليهما السّلام - إلّا أنه قيل : إنّه تعالى لما آتاهما ذلك الولد الصّالح عزما أن يجعلاه وقفا على خدمة اللّه وطاعته وعبوديّته على الإطلاق ، ثمّ بدا لهما في ذلك ، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدّنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة اللّه تعالى وطاعته ، وهذا العمل ، وإن كان منّا طاعة وقربة ، إلّا أنّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، فلهذا قال اللّه تعالى : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . وقال عليه الصّلاة والسّلام حاكيا عن اللّه تعالى : « أنا أغنى الأغنياء عن الشّرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه » « 1 » . التأويل الرابع : سلّمنا أنّ القصّة في آدم وحواء ، إلّا أنّا نقول : إنّما سموه بعبد الحارث لأنّهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمّى بالحارث . وقد يسمى المنعم عليه عبدا للمنعم ، كما يقال في المثل : أنا عبد من تعلّمت منه حرفا فآدم وحوّاء إنما سمياه بعبد الحارث لاعتقادهم أنّ سلامته من الآفات ببركة دعائه ، ولا يخرجه ذلك عن كونه عبدا للّه من جهة أنّه مملوكه ومخلوقه ، وقد ذكرنا أنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين فلمّا حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم عوتب آدم عليه الصّلاة والسّلام في هذا العمل بسبب الاشتراك في مجرد لفظ العبد . قوله : « جعلا له » قيل : ثمّ مضاف ، أي : جعل له أولادهما شركاء ، كما تقدّم في التّأويل السّابق ، وإلّا فحاشا آدم وحواء من ذلك ، وإن جعل الضّمير ليس لآدم وحواء ، فلا حاجة إلى تقديره كما مرّ تقريره . وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم « 2 » شركا بكسر الشّين وسكون الرّاء وتنوين الكاف .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه في الصحيح 4 / 2289 ، كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عملهم غير اللّه الحديث ( 46 / 2985 ) . ( 2 ) ينظر : السبعة 299 ، والحجة 4 / 111 ، وإعراب القراءات 2 / 216 ، وحجة القراءات 304 ، وإتحاف فضلاء البشر 2 / 71 .