عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

407

اللباب في علوم الكتاب

آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النّار ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما ؛ وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر ، ليسعى في تخليص نفسه من هذا الخوف الشّديد ، و « عسى » وما في حيّزها في محلّ الرفع خبرا لها ، ولم يفصل بين « أن » والخبر وإن كان فعلا ؛ لأنّ الفعل الجامد الذي لا يتصرّف يشبه الأسماء ، ومثله وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها [ النور : 9 ] في قراءة نافع لأنّه دعاء . فصل [ في تفسير هذه الآيات ] وقد وقع خبر « أن » جملة طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين ، فإنّ عسى للإنشاء و « غضب اللّه » دعاء . والثاني : أنّها المصدرية ؛ قاله أبو البقاء ، يعني التي تنصب المضارع ، الثنائية الوضع ، وهذا ليس بجيّد ؛ لأنّ النّحاة نصّوا على أنّ المصدرية لا توصل إلّا بالفعل المتصرف مطلقا ، أي : ماض ، ومضارع وأمر ، و « عسى » لا يتصرف فكيف يقع صلة لها ؟ وأن على كلا الوجهين في محل جر نسقا على « ملكوت » ، أي : أو لم ينظروا في أنّ الأمر والشأن عسى أن يكون ، و « أن يكون » فاعل « عسى » وهي حينئذ تامّة ؛ لأنّها متى رفعت « أن » وما في حيّزها كانت تامة ، ومثلها في ذلك : أوشك ، واخلولق . وفي اسم : « يكون » قولان : أحدهما : هو ضمير الشّأن ، ويكون : « قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ » خبرا لها . والثاني : أنه : « أجلهم » ، و « قد اقترب » جملة من فعل وفاعل هو ضمير « أجلهم » ولكن قدّم الخبر وهو جملة فعليّة على اسمها . وقد تقدّم أن ابن مالك يجيزه وابن عصفور يمنعه عند قوله : ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ [ الأعراف : 137 ] . قوله : « فبأيّ » متعلّق ب « يؤمنون » وهي جملة استفهامية سيقت للتّعجب ، أي : إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يؤمنون بغيره ؟ والهاء في : « بعده » تحتمل العود على القرآن وأن تعود على الرّسول ، ويكون الكلام على حذف مضاف ، أي : بعد خبره وقصته ، وأن تعود على : « أجلهم » ، أي : إنّهم إذا ماتوا وانقضى أجلهم ؛ فكيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟ قال الزمخشريّ : فإن قلت : بم تعلّق قوله : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ قلت : بقوله : عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ؛ كأنه قيل : لعلّ أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الموت ، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقّ ؟ وبأيّ حديث أحقّ منه يرون أن يؤمنوا ؟ يعني التعلّق المعنويّ المرتبط بما قبله لا الصناعي وهو واضح . قوله تعالى : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ الآية .