عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
383
اللباب في علوم الكتاب
ومن جمع قال : إنّ الذرية وإن كان واحدا فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعا فجمعه حسن ؛ لأنّ الجموع المكسرة قد جمعت نحو : الطرقات والجدرات . قوله : وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا . أمّا على قول من أثبت الميثاق الأوّل فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأمّا من أنكره ، قال : إنّها محمولة على التّمثيل ، أي : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جاريا مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسهم ، وقال لهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ . وكأنهم قالوا بلى أنت ربّنا . قوله : « بلى » جواب : « ألست » . قال ابن عبّاس : لو قالوا « نعم » لكفروا ، يريد أنّ النّفي إذا أجيب ب « نعم » كان تصديقا له ، فكأنهم أقرّوا بأنه ليس بربهم ، هكذا ينقلونه عن ابن عباس . وفيه نظر - إن صحّ عنه - وذلك أن هذا النفي صار مقرّرا ، فكيف يكفرون بتصديق التقرير ؟ وإنّما المانع من جهة اللغة ، وهو أنّ النفي مطلقا إذا قصد إيجابه أجيب ب « بلى » وإن كان مقرّرا بسبب دخول الاستفهام عليه ، وإنّما كان ذلك تغليبا لجانب اللفظ ، ولا يجوز مراعاة جانب المعنى إلّا في شعر ، كقوله : [ الوافر ] 2618 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو * وإيّانا فذاك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النّهار كما علاني « 1 » فأجاب قوله أليس ب « نعم » ، مراعاة للمعنى ؛ لأنه إيجاب . قوله شهدنا هذا من كلام اللّه تعالى ، وقيل : من كلام الملائكة ، لأنهم لمّا قالوا بلى ، قال اللّه للملائكة : اشهدوا فقالوا : شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : « قالُوا بَلى » لأنّ كلام الذرية قد انقطع ههنا . وقوله : « أَنْ تَقُولُوا » أي : لئلا تقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ تقريره : أنّ الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار ؛ يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة « لئلّا » كقوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [ النحل : 15 ] ، أي : لئلّا تميد بكم . قاله الكوفيون ، وعند البصريين تقديره : شهدنا كراهة أن تقولوا . وقيل : من كلام اللّه تعالى والملائكة . وقيل : من كلام الذّريّة ، وعلى هذا فقوله : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ متعلق بقوله وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ تقديره : وأشهدهم على أنفسهم بكذا وكذا لئلا يقولوا يوم القيامة : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أو كراهية أن يقولوا ذلك .
--> ( 1 ) تقدم .