عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
382
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في دلالة هذه الآية على أن من مات صغيرا دخل الجنة ] قال القرطبيّ « 1 » : استدلّ بهذه الآية على أنّ من مات صغيرا دخل الجنّة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ لم يغنه الميثاق الأول . قوله « مِنْ ظُهُورِهِمْ » بدل من قوله : « مِنْ بَنِي آدَمَ » بإعادة الجارّ ، كقوله : لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ [ الزخرف : 33 ] لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [ الأعراف : 75 ] وهل هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كل ؟ قولان : الأول لأبي البقاء ، والثاني للزمخشري ، وهو الظاهر كقولك : ضربت زيدا ظهره وقطعته يده ، لا يعرب هذا أحد بدل اشتمال ، و « ذرّيّتهم » مفعول به . وقرأ الكوفيون وابن « 2 » كثير ذرّيّتهم بالإفراد ، والباقون « ذرّيّاتهم » بالجمع . قال أبو حيان : ويحتمل في قراءة الجمع أن يكون مفعول « أخذ » محذوفا لفهم المعنى وذرّيّاتهم بدل من ضمير « ظهورهم » كما أنّ من ظهورهم بدل من بني آدم والمفعول المحذوف هو الميثاق كقوله : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [ النساء : 154 ] . قال : وتقدير الكلام : وإذ أخذ ربّك من ظهور ذرّيات بني آدم ميثاق التوحيد للّه ، واستعار أن يكون أخذ الميثاق من الظهر كأن الميثاق لصعوبته والارتباط به شيء ثقيل يحمل على الظّهر . وكذلك قرأ الكوفيّون وابن كثير في سورة يس ، وفي الطّور في الموضعين ذرّيّتهم بالإفراد ؛ وافقهم أبو عمرو على ما في يس ، ونافع وافقهم في أول الطور ، وهي ذرّيّتهم بإيمان دون الثانية ، وهي : « أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » ، فالكوفيون وابن كثير جروا على منوال واحد وهو الإفراد ، وابن عامر على الجمع ، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين . قال أبو حيان في قراءة الإفراد في هذه السّورة : ويتعيّن أن يكون مفعولا ب « أخذ » وهو على حذف مضاف ، أي : ميثاق ذريتهم . يعني أنه لم يجز فيه ما جاز في ذرّيّاتهم من أنّه بدل ، والمفعول محذوف وذلك واضح ؛ لأنّ من قرأ : « ذرّيّتهم » بالإفراد لم يقرأه إلّا منصوبا ، ولو كان بدلا من هم في ظهورهم لكان مجرورا ، بخلاف ذرّيّاتهم بالجمع فإنّ الكسرة تصلح أن تكون علامة للجر وللنصب في جمع المؤنّث السّالم . قال الواحديّ : الذرية تقع على الواحد والجمع ، فمن أفرد فقد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع كالبشر فإنه يقع على الواحد ، كقوله : ما هذا بَشَراً [ يوسف : 31 ] وعلى الجمع ، كقوله : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [ التغابن : 6 ] ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ إبراهيم : 10 ] فكما لم يجمع « بشر » جمع تصحيح ، ولا تكسير كذلك لا يجمع « الذريّة » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 201 . ( 2 ) ينظر : السبعة 298 ، والحجة 4 / 104 ، وإعراب القراءات 2 / 214 ، وحجة القراءات 301 - 302 .