عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
362
اللباب في علوم الكتاب
عنه : هلكت الفرقتان ونجت النّاهية ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إنّ هؤلاء الذين سكتوا عن النّهي عن المنكر هلكوا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ، ولا نقول شيئا . وقال الحسن : نجت الفرقتان ، وهلكت العاصية « 1 » ، لأنهم لما قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ دلّ على أنّهم أنكروا أشد الإنكار ، وأنّهم إنّما تركوا وعظهم ؛ لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ . فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنّهي عنه أيضا معصية ؛ فوجب دخول هؤلاء التّاركين للوعظ النّاهين عنه تحت قوله : وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ . فالجواب : هذا غير لازم ؛ لأنّ النّهي عن المنكر إنّما يجب على الكفاية ، ولو قام به البعض سقط عن الباقين . وروي عن ابن عبّاس أنه قال : أسمع اللّه يقول : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ ، فلا أدري ما فعلت الفرقة السّاكتة « 2 » ؟ قال عكرمة : قلت له : جعلني اللّه فداك ، ألا تراهم قد أنكروا ، وكرهوا ما هم عليه وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ، وإن لم يقل اللّه أنجيتهم لم يقل : أهلكتهم ، فأعجبه قولي ورضي به ، وأمر لي ببردين فكسانيهما ؛ وقال : نجت السّاكتة ، وهذا قول يمان بن رباب ، والحسن ، وابن زيد . قوله : « بِعَذابٍ بَئِيسٍ » . أي : شديد . قرأ نافع ، وأبو جعفر ، وشيبة بيس « 3 » بياء ساكنة ، وابن عامر بهمزة ساكنة . وفيهما أربعة أوجه : أحدها : أنّ هذا في الأصل فعل ماض سمّي به فأعرب كقوله عليه الصّلاة والسّلام : « أنهاكم عن قيل وقال » بالإعراب والحكاية ، وكذا قولهم : « مذ شبّ إلى دبّ ومذ شبّ إلى دبّ » ، فلما نقل إلى الاسميّة صار وصفا ك : نضو ونقض . والثاني : أنّه وصف وضع على فعل ك : حلف . الثالث : أن أصله بئيس كالقراءة المشهورة ، فخفّف الهمزة ؛ فالتقت ياءان ، ثم كسر الياء اتباعا ، كرغيف وشهيد فاستثقل توالي ياءين بعد كسرة ، فحذفت الياء المكسورة ؛ فصار اللّفظ « بيس » وهو تخريج الكسائيّ .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 33 ) عن الحسن . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 95 - 96 ) من طريق عكرمة عن ابن عباس . ( 3 ) ينظر في قراءات هذه الكلمة : السبعة 297 ، والحجة 4 / 98 - 102 وإعراب القراءات 2 / 211 ، وحجة القراءات 300 ، وإتحاف 2 / 66 - 67 .