عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
360
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : وسوس إليهم أنّكم إنّما نهيتم عن الأخذ فاتّخذوا حياضا على شاطىء البحر ، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت ، ثم تأخذونها يوم الأحد ، ففعلوا ذلك زمانا ، ثمّ تجرّءوا على السبت وقالوا ما نرى السبت إلّا قد أحلّ لنا ، فأخذوا ، وأكلوا وباعوا فنهاهم بعضهم ، وبعضهم فعل ، ولم ينته ، وبعضهم سكت وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ الأعراف : 164 ] فلمّا لم ينتهوا قال النّاهون لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار ، للمسلمين باب ، وللمعتدين باب ، ولعنهم داود ، فأصبح النّاهون ذات يوم ، ولم يخرج من المعتدين أحد ، فقالوا : إن لهم شأنا ، لعلّ الخمر غلبتهم ، فعلوا الجدار ، فإذا هم قردة . فصل [ في دلالة الآية على أن الحيل في تحليل الأمور التي حرمها الشارع محرمة ] دلّت هذه الآية على أنّ الحيل في تحليل الأمور الّتي حرمها الشارع محرمة ؛ كالغيبة ، ونكاح المحلّل ، وما أشبههما من الحيل ، ودلّت على أنّه تعالى لا يجب عليه رعاية الصّلاح والإصلاح لا في الدّين ولا في الدنيا ؛ لأنّه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السّبت مما يحملهم على المعصية والكفر ، فلو وجب عليه رعاية الصّلاح لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن الكفر والمعصية ، فلمّا فعل علمنا أن رعاية الصّلاح لا تجب على اللّه تعالى . قوله : وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً . اختلفوا في الذين قالوا هذا القول . فقيل : كانوا من الفرقة الهالكة ؛ لأنّهم لمّا قيل لهم : انتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب ؛ فإنكم إن لم تنتهوا فإنّ اللّه ينزل بكم بأسه فأجابوا بقولهم : « لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ » . فقال النّاهون « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » أي موعظتنا « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » ، والأصحّ أنها من قول الفرقة السّاكتة جوابا للنّاهية ، قالوا : « لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ . . . مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » . ومعناه : أنّ الأمر بالمعروف واجب علينا ، فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى اللّه ، « وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » أي : يتّقوا اللّه ويتركوا المعصية ، ولو كان الخطاب مع المعتدين لقال : « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . « معذرة » قرأ العامّة : « معذرة » رفعا على أنه خبر ابتداء مضمر ، أي : موعظتنا معذرة . وقرأ حفص عن عاصم ، وزيد بن علي « 1 » ، وعيسى بن عمر ، وطلحة بن مصرف : « معذرة » نصبا وفيها ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) ينظر : السبعة 296 ، والحجة 4 / 97 ، وإعراب القراءات 1 / 210 - 211 وحجة القراءات 300 ، وإتحاف 2 / 66 .