عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

337

اللباب في علوم الكتاب

جراءة عظيمة ، فطلب من اللّه غفرانها والتّجاوز عنها . وقوله : وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ أي : أنّ كلّ من سواك فإنّما يتجاوز عن الذّنب إمّا طلبا للثناء الجميل ، أو للثّواب الجزيل ، أو دفعا للرقة الخسيسة عن القلب ، أمّا أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب غرض وعوض ، بل لمحض الفضل والكرم . قوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ الكتابة تذكر بمعنى الإيجاب . ولمّا قرّر أنّه لا ولي له إلّا اللّه ، والمتوقع من الولي والنّاصر أمران : أحدهما : دفع الضّرر . والثاني : تحصيل النّفع ، ودفع الضّرر مقدم على تحصيل النّفع ؛ فلهذا السّبب بدأ بطلب دفع الضّرر وهو قوله : فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا [ الأعراف : 155 ] ثمّ أتبعه بتحصيل النّفع ، وهو قوله وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ والمراد بالحسنة في الدّنيا : النّعمة والعافية ، والحسنة في الآخرة : المغفرة والجنة . قوله : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ العامّة على ضم الهاء ، من هاد يهود بمعنى : مال ؛ قال : [ السريع ] 2594 - قد علمت سلمى وجاراتها * أنّي من اللّه لها هائد « 1 » أو « تاب » من قوله : [ الرجز ] 2595 - إنّي امرؤ ممّا جنيت هائد « 2 » ومن كلام بعضهم : [ المجتث ] 2596 - يا راكب الذّنب هدهد * واسجد كأنّك هدهد « 3 » وقرأ « 4 » زيد بن علي ، وأبو وجزة « هدنا » بكسر الهاء من « هاد يهيد » أي : حرّك . أجاز الزمخشريّ في « هدنا » ، و « هدنا » - بالضمّ والكسر - أن يكون الفعل مبنيا للفاعل ، أو للمفعول في كلّ منهما بمعنى : ملنا ، أو أمالنا غيرنا ، أو حرّكنا نحن أنفسنا ، أو حرّكنا غيرنا ، وفيه نظر ؛ لأنّ بعض النّحويين قد نصّ على أنّه متى ألبس ، وجب أن يؤتى بحركة تزيل اللبس . فيقال في « عقت » من العوق إذا عاقك غيرك : « عقت » بالكسر فقط ، أو الإشمام ، وفي : « بعت يا عبد » إذا قصد أن غيره باعه « بعت » بالضم فقط أو الإشمام ، ولكن سيبويه جوّز في « قيل وبيع » ونحوهما الأوجه الثلاثة من غير احتراز .

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 400 ، والدر المصون 3 / 352 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للزمخشري . ينظر : الكشاف 2 / 129 ، وروح المعاني 9 / 76 ، وحاشية الشهاب 3 / 224 ، والدر المصون 3 / 352 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 165 ، والمحرر الوجيز 2 / 460 ، والبحر المحيط 4 / 400 ، والدر المصون 3 / 353 .