عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

338

اللباب في علوم الكتاب

و « هي » ضمير يفسّره سياق الكلام إذ التقدير : إن فتنتهم إلّا فتنتك . وقيل يعود على مسألة الإرادة من قوله : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] أي : إنّه من مسألة الرّؤية . قوله : « عذابي أصيب به » مبتدأ وخبر . والعامّة على « من أشاء » بالشّين المعجمة . وقرأ زيد « 1 » بن علي ، وطاووس ، وعمرو بن فائد « أساء » بالمهملة . قال الدّاني : لا تصحّ هذه القراءة عن الحسن ، ولا عن طاووس ، وعمرو بن فائد رجل سوء واختار الشّافعيّ هذه القراءة ، وقرأها سفيان بن عيينة ، واستحسنها فقام عبد الرّحمن المقرئ فصاح به وأسمعه . فقال سفيان : « لم أفطن لما يقول أهل البدع » . يعني عبد الرحمن أنّ المعتزلة تعلّقوا بهذه القراءة في أنّ فعل البعد مخلوق له ، فاعتذر سفيان عن ذلك . ومعنى الآية : إنّي أعذب من من أشاء ، وليس لأحد عليّ اعتراض « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » أي : أنّ رحمته في الدّنيا تعمّ الكل ، وأمّا في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين لقوله هنا « فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . قال عطيّة العوفي : « وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » ولكن لا تجب إلّا للمتّقين ، وذلك أنّ الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن ، لسعة رحمة اللّه للمؤمن ، فإذا صار للآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السّراج بسراجه . قال ابن عباس وقتادة وابن جريج : لما نزلت : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قال إبليس أنا من ذلك الشيء فقال اللّه : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فتمنّاها اليهود والنصارى . وقالوا : نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن فجعلها اللّه لهذه الأمّة بقوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ « 2 » . واعلم أنّ جميع التّكاليف محصورة في نوعين : الأول : المتروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها ، وهو المراد بقوله : « لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ » . والثاني : الأفعال ، وهي إمّا أن تكون في مال الإنسان أو في نفسه ، فالأول : هو الزكاة وهو المراد بقوله « وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ » والثاني يدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا أمّا العلم فالمعرفة ، وأمّا العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ، فيدخل فيه

--> ( 1 ) وقرأ بها الحسن كما في الكشاف 2 / 165 ، والمحرر الوجيز 2 / 461 ، والبحر المحيط 4 / 400 ، والدر المصون 3 / 353 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 80 - 81 ) عن ابن عباس وقتادة وابن جريج . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 241 ) عن ابن جريج وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ .