عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
336
اللباب في علوم الكتاب
قالت المعتزلة لا تعلق للجبريّة بهذه الآية ؛ لأنه لم يقل : تضلّ بها من تشاء عن الدين ؛ ولأنه قال تضلّ بها أي بالرّجفة ، والرّجفة لا يضلّ اللّه بها ؛ فوجب تأويل الآية . فمعنى قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » أي : امتحانك وشدة تعبدك ؛ لأنّه لمّا أظهر الرّجفة كلّفهم بالصّبر عليها ، وأمّا قوله : « تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ » ففيه وجوه : أحدها : تهدي بهذا الامتحان إلى الجنّة والثّواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ، ويبقى على الإيمان ، وتعاقب من تشاء بشرط ألا يؤمن ، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه ، وثانيها : أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك ، أي : تهلك من تشاء بهذه الرّجفة وتصرفها عمّن تشاء ، وثالثها : أنّه لمّا كان هذا الامتحان كالسّبب في هداية من اهتدى ، وضلال من ضلّ ، جاز أن يضاف إليه . فصل [ في تقرير الدلائل العقلية ] واعلم أن هذه تأويلات متعسّفة ، والدلائل العقليّة دالة على أنّ المراد ما ذكرناه ، وتقريره من وجوه : الأول : أنّ القدرة الصّالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطّرف الآخر ، إلّا لداعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو اللّه تعالى ، وعند حصول الداعية يجب الفعل ، وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أنّ الهداية والإضلال من اللّه تعالى . الثاني : أنّ العاقل لا يريد إلّا الإيمان ، والحقّ ، والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل أحد مؤمنا محقا ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ؛ ثبت أنّ الكل من اللّه تعالى . الثالث : لو كان حصول الهداية بفعل العبد فما لم يتميز عنده اعتقاد الحق من اعتقاد الباطل ؛ امتنع أن يخصّ أحد الاعتقادين بالتّحصيل ، لكن علمه بأنّ هذا الاعتقاد هو الحق ، وأنّ الآخر هو الباطل ، يقتضي كونه عالما بذلك المعتقد أولا كما هو عليه ، فلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد هو الأول ، وأنّ الآخر مشروطا بكون ذلك الاعتقاد حاصلا وذلك يقتضي كون الشّيء مشروطا بنفسه ، وهو محال ، فامتنع أن يكون حصول الهداية بتحصيل العبد ، وأمّا إبطال تأويلاتهم ، فقد تقدّم مرارا . قوله تضلّ بها يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون مستأنفة فلا محلّ لها ، والثاني أن تكون حالا من فتنتك أي : حال كونها مضلّا بها ، ويجوز أن تكون حالا من الكاف ؛ لأنّها مرفوعة تقديرا بالفاعليّة ، ومنعه أبو البقاء قال : « لعدم العامل فيها » وقد قدم البحث معه مرارا . قوله : « أنت ولينا » يفيد الحصر ، أي : لا ولي لنا ، ولا ناصر ، ولا هادي إلّا أنت ، وهذا من تمام ما تقدّم من قوله : تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ . وقوله : فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا المراد منه : أنّ إقدامه على قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ »