عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
335
اللباب في علوم الكتاب
بنو إسرائيل عن السّبعين إذا عاد إليهم ، ولم يصدقوا أنهم ماتوا . فقال لربه : لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ، ولا يتهموني . وقيل : إنّ تلك الرّجفة ما كانت موتا ، ولكن القوم لمّا رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ، ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وخاف موسى - عليه الصّلاة والسّلام - الموت فعند ذلك بكى ، ودعا ؛ فكشف اللّه عنهم الرعدة . قوله : « لميقاتنا » متعلق ب « اختار » أي : لأجل ميقاتنا ، ويجوز أن يكون معناها الاختصاص أي : اختارهم مخصصا بهم الميقات ، كقولك : اختر لك كذا . قوله « لو شئت » مفعول المشيئة محذوف ، أي : لو شئت إهلاكنا ، و « أهلكتهم » جواب « لو » والأكثر الإتيان باللّام في هذا النحو ولذلك لم يأت مجردا منها إلّا هنا وفي قوله : أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ [ الأعراف : 100 ] وفي قوله : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً [ الواقعة : 70 ] . ومعنى من قبل أي قبل الاختيار ، وأخذ الرّجفة . وقوله : « وإيّاي » قد يتعلّق به من يرى جواز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله ، إذ كان يمكن أن يقال : أهلكتنا . وهو تعلّق واه جدا ، لأنّ مقصوده صلّى اللّه عليه وسلّم التنصيص على هلاك كلّ على حدته تعظيما للأمر ، وأيضا فإنّ موسى لم يتعاط ما يقتضي إهلاكه ، بخلاف قومه . وإنّما قال ذلك تسليما منه لربّه ، فعطف ضميره تنبيها على ذلك ، وقد تقدم نظير ذلك في قوله : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ [ النساء : 131 ] وقوله : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [ الممتحنة : 1 ] . قوله : « أتهلكنا » يجوز فيه أن يكون على بابه أي : أتعمّنا بالإهلاك أم تخصّ به السفهاء منّا ؟ ويجوز أن يكون بمعنى النّفي ، أي : ما تهلك من لم يذنب بذنب غيره ، قاله ابن الأنباري . قال وهو كقولك : « أتهين من يكرمك » ؟ وعن المبرّد هو سؤال استعطاف ومنّا في محل نصب على الحال من السّفهاء ويجوز أن يكون للبيان . قوله : « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » . قال الواحديّ : الكناية في قوله هي عائدة على الفتنة كما تقول : إن هو إلّا زيد ، وإن هي إلّا هند ، والمعنى : أنّ تلك الفتنة التي وقع فيها السّفهاء لم تكن إلّا فتنتك أضللت بها قوما فافتتنوا ، وعصمت قوما فثبتوا على الحق . ثمّ أكّد بيان أنّ الكل من اللّه تعالى ، فقال : تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ . ثم قال الواحديّ : وهذه الآية من الحجج الظّاهرة على القدريّة التي لا يبقى لهم معها عذر .