عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
334
اللباب في علوم الكتاب
أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدنا ، فأنكر اللّه عليهم ذلك فأخذتهم الرجفة . واحتجوا لهذا القول بوجوه : أحدها : أنّه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام ، وطلب الرّؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال يقتضي أن هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة ، ويمكن أن يكون عودا إلى تتّمة الكلام في القصة الأولى ، إلّا أنّ الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصّة الواحدة في موضع واحد ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ذكر بعض القصّة ، ثم الانتقال إلى قصّة أخرى ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصّة الأولى ؛ فإنّه يوجب نوعا من الخبط والاضطراب ، والأولى صون كلام اللّه عنه . وثانيها : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم ينكر منهم إلّا قولهم أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] فلو كانت الرجفة المذكورة ههنا إنما حصلت بسبب هذا القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منّا ؟ فلمّا لم يقل ذلك بل قال أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بإقدامهم على عبادة العجل لا على القول . وثالثها : أن في ميقات الكلام أو الرؤية خرّ موسى صعقا وجعل الجبل دكّا وأمّا هذا الميقات فذكر تعالى أن القوم أخذتهم الرّجفة ، ولم يذكر أن موسى - عليه الصلاة والسلام - أخذته الرّجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال : لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [ الأعراف : 155 ] وهذه الخصوصيات تدلّ على أن هذا الميقات غير ميقات الكلام وطلب الرّؤية . وقيل : المراد بهذا الميقات ما روي عن علي - رضي اللّه عنه - قال : إنّ موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل ؛ فنام هارون فتوفّاه اللّه ، فلمّا رجع موسى قالوا إنّه هو الذي قتل هارون ، فاختار موسى سبعين رجلا وذهبوا إلى هارون فأحياه اللّه وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرّجفة هنالك « 1 » . فصل [ في اختلافهم بالمراد من الرجفة ] اختلفوا في تلك الرّجفة . فقيل : إنّها رجفة أوجبت الموت . قال السّديّ : قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل ، وقد أهلكت خيارهم ولم يبق منهم رجل واحد ؟ فما أقول لبني إسرائيل ، وكيف يأمنوني على أحد منهم ؟ فأحياهم اللّه « 2 » . فمعنى قوله لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أنّ موسى خاف أن يتّهمه
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 74 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 237 ) وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 73 ) .