عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

333

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في اختلافهم بأن المراد من الاختيار هو الخروج إلى ميقات الكلام أو إلى موضع آخر ؟ ] ذكروا أنّ موسى - عليه الصّلاة والسّلام - اختار من قومه اثني عشر سبطا من كل سبط ستة ؛ فصاروا اثنين وسبعين . فقال : ليتخلف منكم رجلان ؛ فتشاجروا . فقال : إنّ لمن قعد منكم أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروي أنّه لم يجد إلّا ستين شيخا ، فأوحى اللّه إليه أن يختار من الشّباب عشرة ، فاختارهم ، فأصبحوا شيوخا فأمرهم اللّه أن يصوموا ، ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ، ثم خرج بهم إلى الميقات . واختلفوا في هذا الاختيار هل هو الخروج إلى ميقات الكلام ، وسؤال موسى ربّه عن الرؤية أو للخروج إلى موضع آخر ؟ فقال بعض المفسّرين : إنّه لميقات الكلام وطلب الرّؤية . قالوا : إنّه عليه الصّلاة والسّلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى ، ودخل فيه . وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا فلما دخلوا الغمام وقعوا سجدا ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه ، ثم انكشف الغمام وأقبلوا إليه . وقالوا : يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [ البقرة : 55 ] وهي الرّجفة المذكورة ههنا . فقال موسى : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [ الأعراف : 155 ] وهو قولهم أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] . وقيل : المراد من هذا الميقات غير ميقات الكلام ، وطلب الرّؤية ، واختلفوا فيه . فقيل : إنّ قوم موسى لمّا عبدوا العجل ثم تابوا أمر اللّه تعالى موسى - عليه الصّلاة والسّلام - أن يجمع السّبعين ويحضروا موضعا يظهرون فيه تلك التّوبة ، فأوحى اللّه تعالى إلى تلك الأرض ، فرجفت بهم فعند ذلك قال موسى : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ ، وإنّما رجفت بهم الأرض لوجوه : أولها : أنّ هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل ، إلّا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل . وثانيها : أنّهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل . وثالثها : أنّهم لمّا خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا : اعطنا ما لم تعطه