عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
308
اللباب في علوم الكتاب
و « أحسن » يجوز أن تكون للتّفضيل على بابها ، وأن لا تكون بل بمعنى « حسنة » . كقول الفرزدق : [ الكامل ] 2572 - إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا * بيتا دعائمة أعزّ وأطول « 1 » أي : عزيزة طويلة . فإن قيل : إنّه تعالى لمّا تعهد بكلّ ما في التّوراة ، وجب أن يكون الكلّ حسنا . وقوله : يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يقتضي أن يكون فيه ما ليس بأحسن ، وأنّه لا يجوز لهم الأخذ به وهو متناقض . وأجابوا بوجوه : منها : أنّ تلك التّكاليف منها ما هو حسن ، ومنها ما هو أحسن كالقصاص والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أي : فمرهم أن يأخذوا بالأفضل فإنّه أكثر ثوابا ، لقوله وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الزمر : 55 ] وقوله : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] . قالوا : فيحمل الأخذ بالأحسن على النّدب . ومنها : قال قطرب : يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي : بحسنها ، وكلها حسن ؛ كقوله تعالى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] وأنشد بيت الفرزدق المتقدم . ومنها : أن الحسن يدخل تحته الواجب ، والمندوب ، والمباح وأحسن هذه الثلاثة : الواجب ، والمندوب . قوله : سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ جوّزوا في الرّؤية هنا أن تكون بصريّة ، وهو الظّاهر فتتعدّى لاثنين ، أحدهما : ضمير المخاطبين ، والثاني : دار . والثاني : أنّها قلبية ، وهو منقول عن ابن زيد وغيره ، والمعنى : سأعلمكم سير الأولين وما حلّ بهم من النّكال . وقيل : « دارَ الْفاسِقِينَ » ما دار إليه أمرهم ، وذلك لا يعلم إلا بالإخبار والإعلام . قال ابن عطيّة « 2 » - معترضا على هذا الوجه - : ولو كان من رؤية القلب ، لتعدّى بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل . ولو قال قائل : المفعول الثالث يتضمنه المعنى ، فهو مقدّر أي : مذمومة أو خربة أو مسعّرة - على قول من قال : إنّها جهنم - قيل له : لا يجوز حذف هذا المفعول ، ولا الاقتصار دونه ، لأنّها داخلة على الابتداء والخبر ، ولو جوّز لكان على قبح في اللّسان ، لا يليق بكتاب اللّه تعالى .
--> ( 1 ) ينظر ديوانه 2 / 155 ، العمدة 1 / 252 ، الصاحبي ( 534 ) ، ابن يعيش 6 / 97 ، معاهد التنصيص 1 / 103 ، مجاز القرآن 2 / 121 ، العيني 4 / 42 ، الدر المصون 3 / 341 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 453 .