عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
271
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنّ الإلاهة مصدر بمعنى العبادة ، أي : وتذر عبادتك ، لأنّ قومه كانوا يعبدونه . ونقل ابن الأنباري عن ابن عبّاس أنّه كان ينكر قراءة العامّة ، ويقرأ « وإلاهتك » ، وكان يقول : إنّ فرعون كان يعبد ولا يعبد . قال ابن الخطيب : والذي يخطر ببالي أنّ فرعون إن قلنا : إنّه ما كان كامل العقل لم يجز في حكم اللّه تعالى إرسال الرسول إليه ، وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقا للسّموات والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك ، لأنّ فساده معلوم بالضّرورة ، بل الأقرب أن يقال : إنّه كان دهريا منكرا لوجود الصّانع ، وكان يقول : مدبّر هذا العالم السّفلي هو الكواكب ، وأنا المخدوم في العالم للخلق ، والمربي لهم فهو نفسه . فقوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] أي : مرببكم والمنعم عليكم والمطعم لكم . وقوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] أي : لا أعلم لكم أحدا يجب عليكم عبادته إلّا أنا ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنّه كان قد اتخذ أصناما على صور الكواكب يعبدها ، ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب ، وعلى هذا فلا امتناع في حمل قوله تعالى : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ على ظاهره . قوله : « قالَ سَنُقَتِّلُ » قرأ نافع « 1 » وابن كثير بالتّخفيف سنقتل والباقون بالتضعيف لتعدّد المحالّ . وسيأتي أنّ الجماعة قرءوا « يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ » بالتضعيف إلّا نافعا فيخفف . فتلخص من ذلك أنّ نافعا يقرأ الفعلين بالتخفيف ، وابن كثير يخفف « سنقتل » ويثقل « يقتّلون » ، والباقون يثقّلونهما . قوله : « وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ » . أي نتركهم أحياء . والمعنى : أنّ موسى إنّما يمكنه الإفساد برهطه وبشيعته فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ، بأن نقتّل أبناء بني إسرائيل ، ونستحيي نساءهم . ثم بيّن أنّه قادر على ذلك بقوله : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي : إنّما نترك موسى لا من عجز وخوف ، ولو أردنا البطش به لقدرنا عليه . قال ابن عباس : أمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل ، فشكت ذلك بنو إسرائيل إلى موسى ، فقال لهم موسى : « اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ » يعني أرض مصر « 2 » .
--> ( 1 ) ينظر : السبعة 292 ، والحجة 4 / 71 ، 72 ، وإعراب القراءات 1 / 203 ، وحجة القراءات 294 ، والعنوان 97 ، وشرح الطيبة 4 / 304 ، وشرح شعلة 395 ، وإتحاف 2 / 60 . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 168 ) عن سعيد بن جبير .