عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
267
اللباب في علوم الكتاب
الرابعة : قراءة قنبل عن ابن كثير ، وهي التّفرقة بين السّور الثّلاث . وذلك أنّه قرأ في هذه السّورة حال الابتداء ب « أأمنتم » بهمزتين ، أولاهما محققة والثّانية مسهّلة بين بين وألف بعدها كقراءة البزّي ، وحال الوصل يقرأ : « قال فرعون وآمنتم » بإبدال الأولى واوا ، وتسهيل الثّانية بين بين وألف بعدها ، وذلك أنّ الهمزة إذا كانت مفتوحة بعد ضمّة جاز إبدالها واوا سواء أكانت الضّمّة والهمزة في كلمة واحدة نحو : مرجؤون ، و يُؤاخِذُكُمُ [ البقرة : 225 ] ومؤجّلا أم في كلمتين كهذه الآية ، وقد فعل ذلك أيضا في سورة الملك في قوله وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَ أَمِنْتُمْ [ الملك : 15 - 16 ] فأبدل الهمزة الأولى واوا ، لانضمام ما قبلها حال الوصل ، وأمّا في الابتداء فيخففها لزوال الموجب لقلبها ، إلّا أنّه ليس في سورة الملك ثلاث همزات ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في موضعه . وقرأ في سورة طه كقراءة حفص : أعني بهمزة واحدة بعدها ألف ، وفي سورة الشعراء كقراءة رفيقه البزّيّ ، فإنّه ليس قبلها ضمة ؛ فيبدلها واوا في حال الوصل . وقد قرىء لقنبل أيضا بثلاثة أوجه في هذه السّورة وصلا وهي : تسكين الهمزة بعد الواو المبدلة ، أو تحريكها ، أو إبدالها ألفا ، وحينئذ ينطق بقدر ألفين . ولم يدخل أحد من القراء مدّا بين الهمزتين هنا سواء في ذلك من حقّق أو سهّل ، لئلّا يجتمع أربع متشابهات ، والضمير في « به » عائد على اللّه تعالى لقوله : قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ويجوز أن يعود على موسى ، وأمّا الذي في سورة طه والشعراء في قوله آمَنْتُمْ لَهُ فالضّمير لموسى لقوله إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ . فصل [ في خوف فرعون من إيمان السحرة بنبوة موسى ] اعلم أنّ فرعون لمّا رأى إيمان السّحرة بنبوة موسى - عليه الصّلاة والسّلام - عند اجتماع الخلق خاف من أن يصير ذلك حجّة قويّة على صحّة نبوة موسى - عليه الصّلاة والسّلام - فألقى في الحال شبهتين إلى أسماع العوامّ ؛ ليمنع القوم من اعتقاد نبوة موسى - عليه الصّلاة والسّلام - . الأولى : قوله : إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ أي : إنّ إيمان هؤلاء بموسى ليس لقوة الدّليل بل لأنّهم تواطئوا مع موسى أنّه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك . الثانية : أنّ غرض موسى والسّحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة ، وإبطال ملكهم . ومعلوم عند جمع العقلاء أنّ مفارقة الوطن والنّعمة المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللّعين بين الشّبهتين ، ولا يوجد أقوى منهما في هذا الباب . وروى محمّد بن جرير عن السّدّي في حديث عن ابن عباس ، وابن مسعود وغيرهما