عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

266

اللباب في علوم الكتاب

فما الفائدة فيه مع أن الإيمان يجب أن يكون متقدّما على السّجود ؟ . فالجواب ، من وجوه ، أحدها : أنّهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا للّه تعالى في الحال ، وجعلوا ذلك السّجود شكرا للّه تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان ، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان ، وإظهارا للتّذلل ، فكأنّهم جعلوا ذلك السّجود الواحد علامة على هذه الأمور . وثانيها : لا يبعد أنّهم عند الذهاب إلى السّجود قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . فصل [ في معنى قوله « آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ » ] فإن قيل : لمّا قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ دخل موسى وهارون في جملة العالمين ، فما فائدة تخصيصهما بعد ذلك ؟ . فالجواب من وجهين : الأول : أن التقدير آمنا برب العالمين ، وهو الذي دعا إلى الإيمان به وبموسى وهارون . الثاني : خصّهما بالذّكر تشريفا ، وتفضيلا كقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] . قوله : « آمنتم » اختلف القرّاء في هذا الحرف هنا ، وفي طه وفي الشعراء ، فبعضهم جرى على منوال واحد ، وبعضهم قرأ في موضع بشيء لم يقرأ به في غيره ، وهم في ذلك على أربع مراتب . الأولى : قراءة الأخوين « 1 » ، وأبي بكر عن عاصم بتحقيق الهمزتين في السّور الثّلاث من غير إدخال ألف بينهما ، وهو استفهام إنكار ، وأمّا الألف الثّالثة فالكلّ يقرءونها كذلك ، لأنّها فاء الكلمة ، أبدلت لسكونها بعد همزة مفتوحة ، وذلك أنّ أصل هذه الكلمة أأأمنتم بثلاث همزات : الأولى للاستفهام ، والثّانية همزة « أفعل » ، والثّالثة فاء الكلمة ، فالثّالثة يجب قلبها ألفا ، لما تقدم أوّل الكتاب ، وأمّا الأولى فمحقّقه ليس إلّا ، وأمّا الثّانية فهي الّتي فيها الخلاف بالنّسبة إلى التّحقيق والتّسهيل . الثانية : قراءة حفص وهي « آمنتم » بهمزة واحدة بعدها الألف المشار إليها في جميع القرآن ، وهذه القراءة تحتمل الخبر المحض المتضمّن للتّوبيخ ، وتحتمل الاستفهام المشار إليه ، ولكنه حذف لفهم المعنى ، ولقراءة الباقين . الثالثة : قراءة نافع وابن عمرو وابن عامر والبزّي عن ابن كثير وهي تحقيق الأولى ، وتسهيل الثانية بين بين ، والألف المذكورة ، وهو استفهام إنكاري ، كما تقدم .

--> ( 1 ) ينظر : السبعة 290 - 291 ، والحجة 4 / 68 - 71 ، وإعراب القراءات 1 / 201 - 203 ، وحجة القراءات 292 - 293 ، والعنوان 97 ، وإتحاف 2 / 58 - 59 .