عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

265

اللباب في علوم الكتاب

وعلى كلا القولين هم متلبّسون بالسّجود للّه تعالى . ويجوز أن يكون مستأنفا لا محلّ له ، وجعله أبو البقاء حالا من فاعل « انقلبوا » ، فإنّه قال : « يجوز أن يكون حالا ، أي : فانقلبوا صاغرين » . قالوا وهذا ليس بجيّد للفصل بقوله « وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ » . قوله : قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . قال المفسّرون : لما قالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ قال فرعون : إيّاي تعنون ؛ فقالوا : « رَبِّ مُوسى وَهارُونَ » ، ف : « رَبِّ مُوسى » يجوز أن يكون نعتا ل : « رَبِّ الْعالَمِينَ » * ، وأن يكون بدلا ، وأن يكون عطف بيان . وفائدة ذلك : نفي توهّم من يتوهّم أنّ رب العالمين قد يطلق على غير اللّه تعالى ، لقول فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] وقدّموا « موسى » في الذّكر على « هارون » وإن كان هارون أسنّ منه ، لكبره في الرّتبة ، أو لأنّه وقع فاصلة هنا . ولذلك قال في سورة طه : بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ طه : 70 ] لوقوع « موسى » فاصلة ، أو تكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين ، فنسب فعل البعض إلى المجموع في سورة ، وفعل بعضهم الآخر إلى المجموع في أخرى . فصل [ في احتجاج أهل السّنة بقوله تعالى : « وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ » ] احتجّ أهل السّنّة بقوله تعالى : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ على أن غيرهم ألقاهم ، وما ذاك إلّا اللّه رب العالمين ، وهذا يدلّ على أنّ فعل العبد خلق اللّه تعالى . وأجاب المعتزلة بوجوه : أحدها : أنّهم لمّا شاهدوا الآيات العظيمة ، لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين ، فصاروا كأنّ ملقيا ألقاهم . وثانيها : ما تقدّم من تفسير الأخفش . وثالثها : أنّه ليس في الآية أنّ ملقيا ألقاهم ، فنقول ذلك الملقي هم أنفسهم . والجواب : أن خالق تلك الدّاعية في قلوبهم هو اللّه تعالى ، وإلا لافتقر خلق تلك الدّاعية إلى داعية أخرى ، ولزم التّسلسل ، وهو محال ، ثمّ إن أصل القدرة مع تلك الدّاعية الجازمة تصير موجبة للفعل ، وخالق ذلك الموجب هو اللّه تعالى ، فكان ذلك الفعل مسندا إلى اللّه تعالى . فصل [ في تقديم الإيمان على السجود ] فإن قيل : إنّه تعالى ذكر أوّلا أنّهم صاروا ساجدين ، ثمّ ذكر بعد ذلك أنهم قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ .