عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
263
اللباب في علوم الكتاب
ويقال : رجل ثقف لقف ، وثقيف لقيف ، بيّن الثّقافة واللّقافة . ويقال : لقف ولقم بمعنى واحد ، قاله أبو عبيد . ويقال : تلقف ، وتلقم ، وتلهم : بمعنى واحد . والفاء في « فإذا هي » يجوز أن تكون العاطفة ، ولا بدّ من حذف جملة قبلها ليترتّب ما بعد الفاء عليها ، والتقدير : « فألقاها فإذا هي » . ومن جوّز أن تكون الفاء زائدة في نحو : « خرجت فإذا الأسد حاضر » جوّز زيادتها هنا . وعلى هذا فتكون هذه الجملة قد أوحيت إلى موسى كالّتي قبلها . وأمّا على الأوّل - أعني كون الفاء عاطفة - فالجملة غير موحى بها إليه . قوله : « ما يَأْفِكُونَ » يجوز في « ما » أن تكون بمعنى « الذي » والعائد محذوف ، أي : الذي يأفكونه . ويجوز أن تكون « ما » مصدرية ، « والمصدر » حينئذ واقع موقع المفعول به ، وهذا لا حاجة إليه . وذلك قوله : « ما كانُوا يَعْمَلُونَ » يجوز أن تكون « ما » بمعنى « الذي » ، فيكون المعنى : بطل الحبال والعصيّ الذي عملوا به السّحر : أي : زال ، وذهب بفقدانها ، وأن تكون مصدرية ، أي : وبطل الذي كانوا يعملونه ، أو عملهم . وهذا المصدر يجوز أن يكون على بابه . وأن يكون واقعا موقع المفعول به . بخلاف « ما يَأْفِكُونَ » فإنّ يتعيّن أن يكون واقعا موقع المفعول به ليصحّ المعنى ؛ إذ اللّقف يستدعي عينا يصحّ تسلّطه عليها . ومعنى الإفك في اللّغة : قلب الشّيء عن وجهه ، ومنه قيل للكذب إفك ، لأنّه مقلوب عن وجهه . قال ابن عبّاس : « ما يَأْفِكُونَ » يريد : يكذبون ، والمعنى : أنّ العصا تلقف ما يأفكونه ، أي : يقلبونه عن الحقّ إلى الباطل . قوله : « فوقع الحقّ » قال مجاهد والحسن : ظهر « 1 » . وقال الفرّاء : « فتبيّن الحقّ من السّحر » . قال أهل المعاني : الوقوع : ظهور الشّيء بوجوده نازلا إلى مستقرّه ، « وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » من السّحر ، وذلك أنّ السّحرة قالوا : لئن كان ما صنع موسى - عليه الصّلاة والسّلام - سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد ، فلما فقدت ؛ ثبت أنّ ذلك من أمر اللّه .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 23 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 199 - 200 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ .