عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

251

اللباب في علوم الكتاب

وثانيها : أنّهم شاهدوا كونه حيّة ، فلم يشتبه الأمر عليهم فيه . وثالثها : أنّ الثّعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 108 ] وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) النّزع في اللّغة عبارة عن إخراج الشّيء عن مكانه ، فقوله : « نزع يده » أي أخرجها من جيبه ومن جناحه ، بدليل قوله : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [ النمل : 12 ] ، وقوله : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [ طه : 22 ] . قوله : « فإذا هي بيضاء » قال ابن عباس : « كان لها نور ساطع يضيء بين السّماء والأرض » « 1 » ، واعلم أنّه لمّا كان البياض كالعيب بيّن تعالى في غير هذه الآية أنّه كان من غير سوء . قوله : « للنّاظرين » متعلق بمحذوف لأنّه صفة ل « بيضاء » وقال الزّمخشريّ « 2 » : « فإن قلت : بم تعلق للناظرين ؟ قلت : يتعلّق ب « بيضاء » والمعنى : فإذا هي بيضاء للنّظارة ، ولا تكون بيضاء للنّظّارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة ، يجتمع النّاس للنّظر إليه ، كما يجتمع النّظّارة للعجائب » . وهذا الذي ذكره الزمخشريّ تفسير معنى لا تفسير إعراب ، وكيف يريد تفسير الإعراب ؟ وإنّما أراد التعلّق المعنويّ لا الصّناعي ، كقولهم : هذا الكلام يتعلق بهذا الكلام . أي إنّه من تتمّة المعنى له . فإن قيل : إنّ المعجز الواحد كان كافيا فالجمع بينهما كان عبثا . فالجواب : أنّ كثرة الدّلائل توجب القوّة في النّفس ، وسيأتي في سورة طه - إن شاء اللّه تعالى - أن انقلاب العصا أعظم من اليد البيضاء . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 109 ] قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) اعلم أنّه سبحانه وتعالى أسند القول في هذه السّورة إلى الملأ ، وفي « الشعراء » [ 34 ] أسند القول إلى فرعون في قوله : « قال للملأ حوله » ، وأجاب الزّمخشريّ عن ذلك بثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون هذا الكلام صادرا منه ومنهم ، فحكى هنا عنهم وفي الشّعراء عنه . والثاني : أنّه قاله ابتداء ، وتلقّته عنه خاصّته فقالوه لأعقابهم . والثالث : أنّهم قالوه عنه للنّاس على طريق التّبليغ ، كما يفعل الملوك ، يرى الواحد منهم الرّأي فيبلغه الخاصّة ، ثم يبلغوه لعامّتهم ، وهذا الثّالث قريب من الثّاني في المعنى .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 7 / 164 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 138 .