عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
252
اللباب في علوم الكتاب
وقولهم : « إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ » يعنون أنّه ليأخذ بأعين النّاس حتى يخيل إليهم العصا حيّة ، واليد بيضاء ، وكان موسى عليه الصّلاة والسّلام آدم اللّون ، ويرى الشّيء بخلاف ما هو عليه ، وكان السّحر غالبا في ذلك الزمان ، ولا شكّ أن مراتب السّحر كانت متفاوتة ، فالقوم زعموا أن موسى - عليه الصّلاة والسّلام - كان في النّهاية من علم السّحر ، فلذلك أتى بتلك الصّيغة ، ثم ذكروا أنّه إنّما أتى بذلك السّحر طلبا للملك والرّئاسة فقالوا : « يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 110 ] يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 110 ) قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ قد تقدّم الكلام على « ماذا » ، والجمهور على « تأمرون » بفتح النّون ، وروى كردم « 1 » عن نافع كسرها ، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن تكون « ماذا » كلمة اسما واحدا في محلّ نصب على أنّه مفعول ثان ل « تأمرون » بعد حذف الياء ، ويكون المفعول الأوّل ل « تأمرون » محذوفا ، وهو ياء المتكلم والتقدير : بأي شيء تأمرونني . وعلى قراءة نافع لا تقول إنّ المفعول الأوّل محذوف ، بل هو في قوّة المنطوق به ؛ لأنّ الكسرة دالة عليه ، فهذا الحذف غير الحذف في قراءة الجماعة . ويجوز أن تكون « ما » استفهاما في محل رفع بالابتداء ، و « ذا » موصول ، وصلته « تأمرون » ، والعائد محذوف ، والمفعول الأوّل أيضا محذوف على قراءة الجماعة ، وتقدير العائد منصوب المحل غير معدى إليه بالباء فتقديره : فما الذي تأمرونيه . وقدّره ابن عطية « تأمروني به » ، وردّ عليه أبو حيّان بأنّه يلزم من ذلك حذف العائد المجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله ، ثم اعتذر عنه بأنّه أراد التقدير الأصلي ، ثم اتّسع فيه بأن حذف الحرف ، فاتّصل الضّمير بالفعل . وهذه الجملة هل هي من كلام الملأ ، ويكونون قد خاطبوا فرعون بذلك وحده تعظيما له كما يخاطب الملوك بصيغة الجمع ، أو يكونون قالوه له ولأصحابه أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول أي : فقال لهم فرعون فماذا تأمرون ويكون كلام الملأ قد تم عند قوله : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ويؤكد كونها من كلام فرعون قوله تعالى : قالُوا أَرْجِهْ . وهل « تأمرون » من الأمر المعهود أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة ؟ والثاني منقول عن ابن عباس « 2 » . وقال الزمخشريّ : « هو من أمرته فأمرني بكذا أي : شاورته فأشار عليّ برأي » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 111 ] قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) قوله : قالُوا أَرْجِهْ في هذه الكلمة هنا وفي « الشّعراء » [ 36 ] ست قراءات في
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 437 ، والبحر المحيط 4 / 359 ، والدر المصون 3 / 317 . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 164 ) عن ابن عباس .